فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 4314

و ربما انجر الأمر تدريجا إلى التشبث بالأصنام ونسيان أربابها حتى رب الأرباب لأن الحس والخيال كان يزين ما ناله لهم ، وكان يذكرها وينسى ما وراءها ، فكان يوجب ذلك غلبة جانبها على جانب الله سبحانه ، كل ذلك إنما كان منهم لأنهم كانوا يرون لهذه الأرباب تأثيرا في شئون حياتهم بحيث تغلب إرادتها إرادتهم ، وتستعلي تدبيرها على تدبيرهم.

وربما كان يستفيد بعض أولي القوة والسطوة والسلطة من جبابرة الملوك من اعتقادهم ذلك ونفوذ أمره في شئون حياتهم المختلفة ، فيطمع في المقام ويدعي الألوهية كما ينقل عن فرعون ونمرود وغيرهما ، فيسلك نفسه في سلك الأرباب وإن كان هو نفسه يعبد الأصنام كعبادتهم ، وهذا وإن كان في بادىء الأمر على هذه الوتيرة لكن ظهور تأثيره ونفوذ أمره عند الحس كان يوجب تقدمه عند عباده على سائر الأرباب وغلبة جانبه على جانبها ، وقد تقدمت الإشارة إليه آنفا كما يحكيه الله تعالى من قول فرعون لقومه:"أنا ربكم الأعلى:"النازعات - 24 ، فقد كان يدعي أنه أعلى الأرباب مع كونه ممن يتخذ الأرباب كما قال تعالى:"و يذرك وآلهتك:"الأعراف - 127 ، وكذلك كان يدعي نمرود على ما يستفاد من قوله: أنا أحيي وأميت ، في هذه الآية على ما سنبين.

وينكشف بهذا البيان معنى هذه المحاجة الواقعة بين إبراهيم (عليه السلام) ونمرود ، فإن نمرود كان يرى لله سبحانه ألوهية ، ولو لا ذلك لم يسلم لإبراهيم (عليه السلام) قوله: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، ولم يبهت عند ذلك بل يمكنه أن يقول: أنا آتي بها من المشرق دون من زعمت أو أن بعض الآلهة الأخرى يأتي بها من المشرق ، وكان يرى أن هناك آلهة أخرى دون الله سبحانه ، وكذلك قومه كانوا يرون ذلك كما يدل عليه عامة قصص إبراهيم (عليه السلام) كقصة الكوكب والقمر والشمس وما كلم به أباه في أمر الأصنام وما خاطب به قومه وجعله الأصنام جذاذا إلا كبيرا لهم وغير ذلك ، فقد كان يرى لله تعالى ألوهية ، وأن معه آلهة أخرى لكنه كان يرى لنفسه ألوهية ، وأنه أعلى الآلهة ، ولذلك استدل على ربوبيته عند ما حاج إبراهيم (عليه السلام) في ربه ، ولم يذكر من أمر الآلهة الأخرى شيئا.

ومن هنا يستنتج أن المحاجة التي وقعت بينه وبين إبراهيم (عليه السلام) هي ، أن إبراهيم (عليه السلام) كان يدعي أن ربه الله لا غير ونمرود كان يدعي أنه رب إبراهيم وغيره ولذلك لما احتج إبراهيم (عليه السلام) على دعواه بقوله: ربي الذي يحيي ويميت ، قال: أنا أحيي وأميت ، فادعى أنه متصف بما وصف به إبراهيم ربه فهو ربه الذي يجب عليه أن يخضع له ويشتغل بعبادته دون الله سبحانه ودون الأصنام ، ولم يقل: وأنا أحيي وأميت لأن لازم العطف أن يشارك الله في ربوبيته ولم يكن مطلوبه ذلك بل كان مطلوبه التعين بالتفوق كما عرفت ، ولم يقل أيضا: والآلهة تحيي وتميت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت