فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 4314

و أما نسبة ملكه إلى إيتاء الله تعالى فقد مر في المباحث السابقة: أنه لا محذور فيه ، فإن الملك وهو نوع سلطنة منبسطة على الأمة كسائر أنواع السلطنة والقدرة نعمة من الله وفضل يؤتيه من يشاء ، وقد أودع في فطرة الإنسان معرفته ، والرغبة فيه ، فإن وضعه في موضعه كان نعمة وسعادة ، قال تعالى:"و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة:"القصص - 77 ، وإن عدا طوره وانحرف به عن الصراط كان في حقه نقمة وبوارا ، قال تعالى:"أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار:"إبراهيم - 28 ، وقد مر بيان أن لكل نسبة إليه تعالى على ما يليق بساحة قدسه تعالى وتقدس من جهة الحسن الذي فيه دون جهة القبح والمساءة.

ومن هنا يظهر سقوط ما ذكره بعض المفسرين: أن الضمير في قوله أن آتيه الله الملك ، يعود إلى إبراهيم (عليه السلام) ، والمراد بالملك ملك إبراهيم كما قال تعالى:"أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما:"النساء - 54 ، لا ملك نمرود لكونه ملك جور ومعصية لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه.

ففيه أولا: أن القرآن ينسب هذا الملك وما في معناه كثيرا إليه تعالى كقوله حكاية عن مؤمن آل فرعون:"يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض:"المؤمن - 29 و ، قوله تعالى حكاية عن فرعون - وقد أمضاه بالحكاية -:"يا قوم أ ليس لي ملك مصر:"الزخرف - 51 ، وقد قال تعالى:"له الملك:"التغابن - 1 ، فقصر كل الملك لنفسه فما من ملك إلا وهو منه تعالى ، وقال تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام) :"ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة:"يونس - 88 ، وقال تعالى في قارون:"و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة:"القصص - 76 ، وقال تعالى خطابا لنبيه:"ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا"- إلى أن قال -:"و مهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد:"المدثر - 15 ، إلى غير ذلك.

وثانيا: أن ذلك لا يلائم ظاهر الآية فإن ظاهرها أن نمرود كان ينازع إبراهيم في توحيده وإيمانه لا أنه كان ينازعه ويحاجه في ملكه فإن ملك الظاهر كان لنمرود ، وما كان يرى لإبراهيم ملكا حتى يشاجره فيه.

وثالثا: أن لكل شيء نسبة إلى الله سبحانه والملك من جملة الأشياء ولا محذور في نسبته إليه تعالى وقد مر تفصيل بيانه.

قوله تعالى: قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ، الحياة والموت وإن كانا يوجدان في غير جنس الحيوان أيضا كالنبات ، وقد صدقه القرآن كما مر بيانه في تفسير آية الكرسي ، لكن مراده (عليه السلام) منهما إما خصوص الحياة والممات الحيوانيين أو الأعم الشامل له لإطلاق اللفظ ، والدليل على ذلك قول نمرود: أنا أحيي وأميت ، فإن هذا الذي ادعاه لنفسه لم يكن من قبيل إحياء النبات بالحرث والغرس مثلا ، ولا إحياء الحيوان بالسفاد والتوليد مثلا ، فإن ذلك وأشباهه كان لا يختص به بل يوجد في غيره من أفراد الإنسان ، وهذا يؤيد ما وردت به الروايات: أنه أمر بإحضار رجلين ممن كان في سجنه فأطلق أحدهما وقتل الآخر ، وقال عند ذلك: أنا أحيي وأميت.

وإنما أخذ (عليه السلام) في حجته الإحياء والإماتة لأنهما أمران ليس للطبيعة الفاقدة للحياة فيهما صنع ، وخاصة الحياة التي في الحيوان حيث تستتبع الشعور والإرادة وهما أمران غير ماديين قطعا ، وكذا الموت المقابل لها ، والحجة على ما فيها من السطوع والوضوح لم تنجح في حقهم ، لأن انحطاطهم في الفكر وخبطهم في التعقل كان فوق ما كان يظنه (عليه السلام) في حقهم ، فلم يفهموا من الإحياء والإماتة إلا المعنى المجازي الشامل لمثل الإطلاق والقتل ، فقال نمرود: أنا أحيي وأميت وصدقه من حضره ، ومن سياق هذه المحاجة يمكن أن يحدس المتأمل ما بلغ إليه الانحطاط الفكري يومئذ في المعارف والمعنويات ، ولا ينافي ذلك الارتقاء الحضاري والتقدم المدني الذي يدل عليه الآثار والرسوم الباقية من بابل كلدة ومصر الفراعنة وغيرهما ، فإن المدنية المادية أمر والتقدم في معنويات المعارف أمر آخر ، وفي ارتقاء الدنيا الحاضرة في مدنيتها وانحطاطها في الأخلاق والمعارف المعنوية ما تسقط به هذه الشبهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت