فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 4314

و فرع عليه حرمة اتخاذ آنية الذهب والفضة فإن فيه قصدهما بالاستقلال وهما مقصودان لغيرهما ، وذلك ظلم كمن اتخذ حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس.

وفرع عليه أيضا حرمة معاملة الربا على الدراهم والدنانير فإنه كفر بالنعمة وظلم ، فعنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما ، إذ لا غرض يتعلق بأعيانهما.

وقد اشتبه عليه الأمر في اعتبار أصلهما والفروع التي فرعها على ذلك: أما أولا: فإنه ذكر أن لا غرض يتعلق بهما في أنفسهما ، ولو كان كذلك لم يمكن أن يقدرا غيرهما من الأمتعة والحوائج ، وكيف يجوز أن يقدر شيء شيئا بما ليس فيه؟ وهل يمكن أن يقدر الذراع طول شيء إلا بالطول الذي له؟ أو يقدر المن ثقل شيء إلا بثقله الذي فيه؟.

على أن اعترافه بكونهما عزيزين في نفسهما لا يستقيم إلا بكونهما مقصودين لأنفسهما ، وكيف يتصور عزة وكرامة من غير مطلوبية.

على أنها لو لم يكونا إلا مقصودين لغيرهما بالخلقة لم يكن فرق بين الدينار والدرهم أعني الذهب والفضة في الاعتبار ، والواقع يكذب ذلك ، ولكان جميع أنواع النقود متساوية القيم ، ولم يقع الاعتبار على غيرهما من الأمتعة كالجلد والملح وغيرهما.

وأما ثانيا: فلأن الحكمة المقتضية لحرمة الكنز ليس هي إعطاء المقصودية بالاستقلال لهما ، بل ما يظهر من قوله تعالى:"و الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله الآية:"التوبة - 34 ، من تحريم الفقراء عن الارتزاق بهما مع قيام الحاجة إلى العمل والمبادلة دائما كما سيجيء بيان ذلك في تفسير الآية.

وأما ثالثا: فلأن ما ذكره من الوجه في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة وكونه ظلما وكفرا موجود في اتخاذ الحلي منهما ، وكذا في بيع الصرف ، ولم يعدا في الشرع ظلما وكفرا ولا حراما.

وأما رابعا: فلأن ما ذكر من المفسدة لو كان موجبا لما ذكره من الظلم والكفر بالنعمة لجرى في مطلق الصرف كما يجري في المعاملة الربوية بالنسيئة والقرض ، ولم يجر في الربا الذي في المكيل والموزون مع أن الحكم واحد ، فما ذكره غير تام جمعا ومنعا.

والذي ذكره تعالى في حكمة التحريم منطبق على ما قدمناه من أخذ الزيادة من غير عوض.

قال تعالى:"و ما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون:"الروم - 39 ، فجعل الربا رابيا في أموال الناس وذلك أنه ينمو بضم أجزاء من أموال الناس إلى نفسه كما أن البذر من النبات ينمو بالتغذي من الأرض وضم أجزائها إلى نفسه ، فلا يزال الربا ينمو ويزيد هو وينقص أموال الناس حتى يأتي إلى آخرها ، وهذا هو الذي ذكرناه فيما تقدم ، وبذلك يظهر أن المراد بقوله تعالى: وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون الآية يعني به لا تظلمون الناس ولا تظلمون من قبلهم أو من قبل الله سبحانه فالربا ظلم على الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت