فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 4314

فإن قلت: رجوع الفروع إلى الأصول مما لا ريب فيه فيما كان هناك أصول متعرقة وفروع متفرقة سواء فيه المعارف القرآنية وغيرها ، لكن ذلك لا يستوجب حصول التشابه ، فما وجه ذلك؟ قلت: وجهه أحد أمرين ، فإن المعارف التي يلقيها القرآن على قسمين: فمنها معارف عالية خارجة عن حكم الحس والمادة ، والأفهام العادية لا تلبث دون أن تتردد فيها بين الحكم الجسماني الحسي وبين غيره كقوله تعالى:"إن ربك لبالمرصاد": الفجر - 14 وقوله تعالى:"و جاء ربك": الفجر - 22 ، فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الأحكام معان هي من أوصاف الأجسام وخواصها ، وتزول بالرجوع إلى الأصول التي تشتمل على نفي حكم المادة والجسم عن المورد ، وهذا مما يطرد في جميع المعارف والأبحاث غير المادية والغائبة عن الحواس ، ولا يختص بالقرآن الكريم بل يوجد في غيره من الكتب السماوية بما تشتمل عليه من المعارف العالية من غير تحريف ، ويوجد أيضا في المباحث الإلهية من الفلسفة ، وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان آخر في قوله تعالى:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها"الآية: الرعد - 17 ، وقوله:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف - 4 ومنها ما يتعلق بالنواميس الاجتماعية والأحكام الفرعية ، واشتمال هذا القسم من المعارف على الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى تغير المصالح المقتضية للتشريعات ونحوها من جهة ، ونزول القرآن نجوما من جهة أخرى يوجب ظهور التشابه في آياتها ، ويرتفع التشابه بإرجاع المتشابه إلى المحكم ، والمنسوخ إلى الناسخ.

قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، الزيغ هو الميل عن الاستقامة ، ويلزمه اضطراب القلب وقلقه بقرينة ما يقابله في ذيل الآية من قوله: والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا ، فإن الآية تصف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه ، وأن منهم من هو زائغ القلب ومائله ومضطربه فهو يتبع المتشابه ابتغاء للفتنة والتأويل ، ومنهم من هو راسخ العلم مستقر القلب يأخذ بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه ، ويسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد الهداية.

ومن هنا يظهر: أن المراد باتباع المتشابه اتباعه عملا لا إيمانا ، وأن هذا الاتباع المذموم اتباع للمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم ، إذ على هذا التقدير يصير الاتباع اتباعا للمحكم ولا ذم فيه.

والمراد بابتغاء الفتنة طلب إضلال الناس ، فإن الفتنة تقارب الإضلال في المعنى ، يقول تعالى: يريدون باتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله سبحانه ، وأمرا آخر هو أعظم من ذلك ، وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينتسخ بذلك دين الله من أصله.

والتأويل من الأول وهو الرجوع فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه ، وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه.

وقد ذكر الله سبحانه لفظ التأويل في موارد من كلامه فقال سبحانه:"و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق": الأعراف - 53 ، أي بالحق فيما أخبروا به وأنبئوا أن الله هو مولاهم الحق ، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ، وأن النبوة حق ، وأن الدين حق ، وأن الله يبعث من في القبور ، وبالجملة كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة وأخبارها.

ومن هنا ما قيل: إن التأويل في الآية هو الخارج الذي يطابقه الخبر الصادق كالأمور المشهودة يوم القيامة التي هي مطابقات اسم مفعول أخبار الأنبياء والرسل والكتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت