فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 4314

و يقرب من ذلك ما ورد من لفظ التأويل في عدة مواضع من قصة يوسف (عليه السلام) كقوله تعالى:"إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين": يوسف - 4 ، وقوله تعالى: ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا": يوسف - 100 ، فرجوع ما رآه من الرؤيا إلى سجود أبويه وإخوته له وإن كان رجوعا لكنه من قبيل رجوع المثال إلى الممثل ، وكذا قوله تعالى:"و قال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ، قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون": يوسف - 48."

وكذا قوله تعالى:"و دخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ، وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين إلى أن قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان": يوسف - 41.

وكذا قوله تعالى:"و يعلمك من تأويل الأحاديث": يوسف - 61 ، وقوله تعالى:"و لنعلمه من تأويل الأحاديث": يوسف - 21 ، وقوله تعالى: وعلمتني من تأويل الأحاديث": يوسف - 101 ، فقد استعمل التأويل في جميع هذه الموارد من قصة يوسف (عليه السلام) فيما يرجع إليه الرؤيا من الحوادث ، وهو الذي كان يراه النائم فيما يناسبه من الصورة والمثال ، فنسبة التأويل إلى ذي التأويل نسبة المعنى إلى صورته التي يظهر بها ، والحقيقة المتمثلة إلى مثالها الذي تتمثل به ، كما كان الأمر يجري هذا المجرى فيما أوردناه من الآيات في قصة موسى والخضر (عليهما السلام) ، وكذا في قوله تعالى: وأوفوا الكيل إذا كلتم إلى قوله وأحسن تأويلا الآية: إسراء - 35."

والتدبر في آيات القيامة يعطي أن المراد هو ذلك أيضا في لفظة التأويل في قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله الآية ، وقوله تعالى"هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله""الآية فإن أمثال قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق - 22 ، تدل على أن مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب وأنبأ به الأنبياء يوم القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسية التي نعهدها في الدنيا كما أن نفس وقوعها والنظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه ، وسيجيء مزيد بيان له فرجوع أخبار الكتاب والنبوة إلى مضامينها الظاهرة يوم القيامة ليس من قبيل رجوع الإخبار عن الأمور المستقبلة إلى تحقق مضامينها في المستقبل."

فقد تبين بما مر: أولا: أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة.

وثانيا: أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل فللآية المحكمة تأويل كما أن للمتشابهة تأويلا.

وثالثا: أن التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للألفاظ بل هو من الأمور الخارجية العينية ، واتصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف بحال المتعلق ، وأما إطلاق التأويل وإرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ ، فاستعمال مولد نشأ بعد نزول القرآن لا دليل أصلا على كونه هو المراد من قوله تعالى: وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية ، كما لا دليل على أكثر المعاني المذكورة للتأويل مما سننقله عن قريب.

قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله ، ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما تشابه ، لقربه كما هو الظاهر أيضا في قوله: وابتغاء تأويله ، وقد عرفت أن ذلك لا يستلزم كون التأويل مقصورا على الآيات المتشابهة.

ومن الممكن أيضا رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله: ما تشابه منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت