و إذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى: والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف - 4 ، فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند الله أمرا أعلى وأحكم من أن يناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصل لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا وألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في أم الكتاب ، وأم الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": الرعد - 39 ، وبقوله:"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج - 22."
ويدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود - 1 ، فالإحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل ، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وآية آية وتنزيله على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء - 106 ، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا وأوحي نجوما.
وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على حال الذي هو عليه الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق وأنزل على النبي نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرىء منا قطعات ثم يعلمه ويقريه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه.
وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد ، ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى:"فاعف عنهم واصفح": المائدة - 13 ، وقوله تعالى:"قاتلوا الذين يلونكم من الكفار": التوبة - 123 ، وقوله تعالى:"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها": المجادلة - 1 ، وقوله تعالى:"خذ من أموالهم صدقة": التوبة - 103 ، ونحو ذلك فيلغى سبب النزول وزمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حيوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالمراد بالقرآن في قوله: وقرآنا فرقناه غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة.
وبالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرؤه ونعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال - وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم - وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه ، وليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها ، وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه.
وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل ، ويظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الأفهام العادية والنفوس غير المطهرة.
ثم إنه تعالى قال:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة - 79 ، ولا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير ، ومن التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه وليس هذا المس إلا نيل الفهم والعلم ، ومن المعلوم أيضا: أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ، وهو المذكور في قوله: وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم.