قال تعالى:"اتقوا الله حق تقاته": آل عمران - 102 ، ولكن لا يحصل كماله إلا في أفراد وفيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل ، كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم وأفهامهم ، وهكذا جميع الكمالات الاجتماعية من حيث التربية والدعوة ، يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم والصنعة والثروة والراحة وغيرها لكن لا ينالها إلا البعض ، ومن دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات.
وبالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه.
ومنها: أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإنسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الإنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم والعمل: أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدإ والمعاد وما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبطه به من الواقعيات معرفة حقيقية وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حيوته الاجتماعية ، ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان ، ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه ، وخلوص قلبه إلى المبدإ والمعاد ، وإشرافه على عالم المعنى والطهارة ، والتجنب عن قذارة الماديات وثقلها.
وأنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الفاطر - 10 ، وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى: ولكن يريد ليطهركم الآية ، وإلى قوله تعالى:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم": المائدة - 105 ، وقوله تعالى:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة - 11 ، وما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الإلهي في تشريع الدين وهداية الإنسان إليه ، والسبيل الذي سلكه لذلك فافهم.
ويتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها ، والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة بالله وبآياته ، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة.
وهذه النتيجة - على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضا: فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شئون الدين الإسلامي بين هذه الأمة وأمعنت النظر فيه: من أين شرع وفي أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف.
وقد ذكرناك فيما مر: أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها ، ولم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم.
ومنها: أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما استطيع ، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة ، وكيف لا؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب ، ولا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم ويحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن والإسلام.
وهذا المعنى هو الموجب لأن يبين الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا ، وارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا ، وبعبارة أخرى أن يفهمه أنه موجود مخلوق لله تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها ، وأنه سائر إلى معاده وميعاده سيرا اضطراريا ، وكادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله ، أيما إلى جنة ، أيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف.
ثم يفهمه أن الأعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي ، وما تؤديه إلى شقوة النار ما هي؟ أي يبين له الأحكام العبادية والقوانين الاجتماعية ، وهذه طائفة أخرى.
ثم يبين له: أن هذه الأحكام والقوانين مؤدية إلى السعادة أي يفهمه: أن هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الأولى ، وأن تشريعها وجعلها للإنسان إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الإنسان في الدنيا والآخرة ، وهذه طائفة ثالثة.
وظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة ، والطائفة الأولى بمنزلة النتيجة ، والطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية بالأولى ، ودلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة ولا حاجة إلى إيرادها.