فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 4314

و يلزمها تأويل بعض القرآن أو أكثر آياتها بصرفها عن ظاهرها كما يتأول المجبرة آيات الاختيار والمفوضة آيات القدر ، وغالب المذاهب في الإسلام لا يخلو عن التأول في الآيات القرآنية وهي الآيات التي لا يوافق ظاهرها مذهبهم ، فيتشبثون في ذلك بذيل التأويل استنادا إلى القرينة العقلية ، وهو قولهم: إن الظاهر الفلاني قد ثبت خلافه عند العقل فيجب صرف الكلام عنه.

وبالجملة يؤدي ذلك إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها ، ودفع مقاصد بعضها ببعض ، ويبطل بذلك المرادان جميعا إذ لا اختلاف في القرآن فظهور الاختلاف بين الآيات - بعضها مع بعض - ليس إلا لاختلال الأمر واختلاط المراد فيهما معا.

وهذا هو الذي ورد التعبير عنه في الروايات بضرب بعض القرآن ببعض كما في الروايات التالية: في الكافي ، وتفسير العياشي ، عن الصادق عن أبيه (عليه السلام) قال: ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلا كفر.

وفي المعاني ، والمحاسن ، مسندا وفي تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) : ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلا كفر.

قال الصدوق: سألت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث فقال: هو أن تجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية أخرى.

أقول: ما أجاب به لا يخلو عن إبهام ، فإن أراد به الخلط المذكور وما هو المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية وتأويل البعض بالتمسك بالبعض فحق ، وإن أراد به تفسير الآية بالآية والاستشهاد بالبعض للبعض فخطأ ، والروايتان التاليتان تدفعانه.

وفي تفسير النعماني ، بإسناده إلى إسماعيل بن جابر قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده ، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده ، أحل فيه حلالا وحرم حراما ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم ، وجعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علما باقيا في أوصيائه ، فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان ، وعدلوا عنهم ثم قتلوهم ، واتبعوا غيرهم ثم أخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم ، قال الله سبحانه:"فنسوا حظا مما ذكروا به - ولا تزال تطلع على خائنة منهم"، وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض ، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ ، واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم ، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام ، واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ، ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا. واعلموا رحمكم الله: أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام ، والمحكم من المتشابه ، والرخص من العزائم ، والمكي والمدني وأسباب التنزيل ، والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة ، وما فيه من علم القضاء والقدر ، والتقديم والتأخير ، والمبين والعميق ، والظاهر والباطن ، والابتداء والانتهاء ، والسؤال والجواب ، والقطع والوصل ، والمستثنى منه والجار فيه ، والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد ، والمؤكد منه والمفصل ، وعزائمه ورخصه ، ومواضع فرائضه وأحكامه ، ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون ، والموصول من الألفاظ ، والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله. ومتى ما ادعى معرفة هذه الأقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت