فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 4314

على أن من أثبت له شركاء كالأصنام وأربابها فإنما يثبتها بعنوان أنها شفعاء عند الله ووسائط بينه وبين خلقه كما حكى الله تعالى عنهم بقوله:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى": الزمر - 3 ، وكذا من اتخذ له شريكا بالشرك الخفي من هوى أو رئيس مطاع أو مال أو ولد إنما يتخذه سببا من الله غير أنه مستقل بالتأثير بعد حصوله له ، وبالجملة ما اتخذ له من شريك فإنما يشاركه فيما يشاركه بتشريكه لا بنفسه ، وإذا شهد الله على أنه لم يتخذ لنفسه شريكا أبطل ذلك دعوى من يدعي له شريكا ، وجرى الكلام مجرى قوله:"قل أ تنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض": يونس - 18 ، فإنه إبطال لدعوى وجود الشريك بأن الله لا يعلم به في السموات والأرض ولا يخفى عليه شيء ، وبالحقيقة هو خبر مثل سائر الأخبار الصادرة عن مصدر الربوبية والعظمة كقوله:"سبحانه وتعالى عما يشركون": يونس - 18 ، ونحو ذلك ، غير أنه لوحظ فيه انطباق معنى الشهادة عليه لكونه خبرا في مورد دعوى ، والمخبر به قائم بالقسط فكان شهادة فعبر بلفظ الشهادة تفننا في الكلام ، فيئول المعنى إلى أنه لو كان في الوجود أرباب من دون الله مؤثرون في الخلق والتدبير شركاء أو شفعاء في ذلك لعلمه الله وشهد به لكنه يخبر أنه ليس يعلم لنفسه شريكا فلا شريك له ، ولعلم واعترف به الملائكة الكرام الذين هم الوسائط المجرون للأمر في الخلق والتدبير لكنهم يشهدون أن لا شريك له ، ولعلم به وشهد أثره أولوا العلم لكنهم يشهدون بما شاهدوا من الآيات أن لا شريك له.

فالكلام نظير قولنا: لو كان في المملكة الفلانية ملك مؤثر في شئون المملكة وإدارة أمورها غير الملك الذي نعرفه لعلم به الملك وعرفه لأنه من المحال أن لا يحس بوجوده وهو يشاركه ، ولعلم به القوى المجرية والعمال المتوسطون بين العرش والرعية وكيف يمكن أن لا يشعروا بوجوده وهم يحملون أوامره ويجرون أحكامه بين ما في أيديهم من الأحكام والأوامر ولعلم به العقلاء من عامة أهل المملكة وكيف لا وهم يطيعون أوامره وعهوده ويعيشون في ملكه لكن الملك ينكر وجوده ، وعمال الدولة لا يعرفونه ، وعقلاء الرعية لا يشاهدون ما يدل على وجوده؟ فليس.

قوله تعالى: لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، الجملة كالمعترضة الدخيلة في الكلام لاستيفاء حق معترض يفوت لو لا ذكره مع عدم كونه مقصودا في الكلام أصالة ، ومن أدب القرآن أن يظهر تعظيم الله جل شأنه في موارد يذكر أمره ذكرا يخطر منه بالبال ما لا يليق بساحة كبريائه كقوله تعالى:"قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه": يونس - 68 ، فقوله: سبحانه قصد به التعظيم في مقام يحكى فيه قول لا يلائم حقه تعالى ، ونظيره بوجه قوله تعالى:"و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم"الآية: المائدة - 64.

وبالجملة لما اشتمل أول الآية على شهادة الله والملائكة وأولي العلم - بنفي الشريك كان من حق الله سبحانه على من يحكي ويخبر عن هذه الشهادة أعني المتكلم وهو في الآية هو الله سبحانه وعلى من يسمع ذلك أن يوحد الله بنفي الشريك عنه فيقول: لا إله إلا هو.

نظير ذلك قوله تعالى في قصة الإفك:"و لو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم": النور - 16 ، فإن من حقه تعالى عليهم أن إذا سمعوا بهتانا وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزهوا الله قبله فإنه تعالى أحق من يجب تنزيهه.

فموضع قوله: لا إله إلا هو العزيز الحكيم موضع الثناء عليه تعالى لاستيفاء حق تعظيمه ولذا تمم بالاسمين العزيز الحكيم ، ولو كان في محل النتيجة من الشهادة لكان حق الكلام أن يتمم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط ، فهو تعالى حقيق بالتوحيد إذا ذكرت الشهادة المذكورة على وحدانيته لأنه المتفرد بالعزة التي يمنع جانبه أن يستذل بوجود شريك له في مقام الألوهية ، والمتوحد بالحكمة التي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه أو ينفذ في خلال تدبيره وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده.

وقد تبين بما مر من البيان وجه تكرار كلمة التوحيد في الآية ، وكذا وجه تتميمها بالاسمين: العزيز الحكيم ، والله العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت