فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 4314

ثم توسع في معناه فعد كل ما يصل الإنسان من الغذاء رزقا كأنه عطية بحسب الحظ والجد وإن لم يعلم معطيه ، ثم عمم فسمي كل ما يصل إلى الشيء مما ينتفع به رزقا وإن لم يكن غذاء كسائر مزايا الحيوة من مال وجاه وعشيرة وأعضاد وجمال وعلم وغير ذلك ، قال تعالى:"تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين": المؤمنون - 72 ، وقال فيما يحكي عن شعيب"قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا: هود - 88 ، والمراد به النبوة والعلم ، إلى غير ذلك من الآيات."

والمتحصل من قوله تعالى:"إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين": الذاريات - 58 ، والمقام مقام الحصر: أولا: أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدقه أمثال قوله تعالى:"و الله خير الرازقين": الجمعة - 11 ، حيث أثبت رازقين وعده تعالى خيرهم ، وقوله:"و ارزقوهم فيها واكسوهم": النساء - 5 ، كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن الملك والعزة لله تعالى لذاته ولغيره بإعطائه وإذنه فهو الرزاق لا غير.

وثانيا: أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم والله رازقه ، ويدل على ذلك - مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها - آيات كثيرة أخر كالآيات الدالة على أن الخلق والأمر والحكم والملك بكسر الميم والمشية والتدبير والخير لله محضا عز سلطانه.

وثالثا: أن ما ينتفع به الإنسان انتفاعا محرما لكونه سببا للمعصية لا ينسب إليه تعالى لأنه تعالى نفى نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع.

قال تعالى: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على الله ما لا تعلمون": الأعراف - 28 ، وقال تعالى:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى أن قال: وينهى عن الفحشاء والمنكر": النحل - 90 وحاشاه سبحانه أن ينهى عن شيء ثم يأمر به أو ينهى عنه ثم يحصر رزقه فيه."

ولا منافاة بين عدم كون نفع محرم رزقا بحسب التشريع وكونه رزقا بحسب التكوين إذ لا تكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحا ، وما بينه القرآن من عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين ، وليس البيان الإلهي بموقوف على الأفهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحا عن التعرض للمعارف الحقيقية ، وفي القرآن شفاء لجميع القلوب لا يستضر به إلا الخاسرون.

قال تعالى:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": الإسراء - 82.

على أن الآيات تنسب الملك الذي لأمثال نمرود وفرعون والأموال والزخارف التي بيد أمثال قارون إلى إيتاء الله سبحانه فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله آتاهم ذلك امتحانا وإتماما للحجة وخذلانا واستدراجا ونحو ذلك وهذا كله نسب تشريعية ، وإذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح فصحة النسبة التكوينية التي لا مجال للحسن والقبح العقلائيين فيها أوضح.

ثم إنه تعالى ذكر أن كل شيء فهو مخلوق له منزل من عنده من خزائن رحمته كما قال:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - 21 ، وذكر أيضا أن ما عنده فهو خير.

قال تعالى:"و ما عند الله خير": القصص - 60 ، وانضمام الآيتين وما في معناهما من الآيات يعطي أن كل ما يناله شيء في العالم ويتلبس به مدى وجوده فهو من الله سبحانه وهو خير له ينتفع به ويتنعم بسببه كما يفيده أيضا قوله تعالى:"الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة - 7 ، مع قوله تعالى:"ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو": المؤمن - 64.

وأما كون بعض ما ينال الأشياء من المواهب الإلهية شرا يستضر به فإنما شريته وإضراره نسبي متحقق بالنسبة إلى ما يصيبه خاصة مع كونه خيرا نافعا بالنسبة إلى آخرين وبالنسبة إلى علله وأسبابه في نظام الكون كما مر يشير إليه قوله تعالى:"و ما أصابك من سيئة فمن نفسك": النساء - 79 ، وقد مر البحث عن هذا المعنى فيما مر.

وبالجملة جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير وكله خير ينتفع به يكون رزقا بحسب انطباق المعنى إذ ليس الرزق إلا العطية التي ينتفع بها الشيء المرزوق ، وربما أشار إليه قوله تعالى ورزق ربك خير": طه - 131."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت