فهرس الكتاب

الصفحة 654 من 4314

و خلاصة ذلك أن الذي كانت تندب إليه جماعة الأنبياء (عليهم السلام) أن يسير النوع الإنساني فرادى ومجتمعين على ما تنطق به فطرتهم من كلمة التوحيد التي تقضي بوجوب تطبيق الأعمال الفردية والاجتماعية على الإسلام لله ، وبسط القسط والعدل ، أعني بسط التساوي في حقوق الحيوة ، والحرية في الإرادة الصالحة والعمل الصالح.

ولا يتأتى ذلك إلا بقطع منابت الاختلاف والبغي بغير الحق واستخدام القوي واستعباده للضعيف وتحكمه عليه ، وتعبد الضعيف للقوي فلا إله إلا الله ، ولا رب إلا الله ، ولا حكم إلا لله سبحانه.

وهذا هو الذي تدل عليه الآية:"ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله"الآية ، وقال تعالى فيما يحكيه عن يوسف (عليه السلام) :"يا صاحبي السجن أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف - 40 ، وقال تعالى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو": التوبة - 31 ، إلى غير ذلك من الآيات.

وفيما حكاه القرآن عن الأنبياء السالفين كنوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب وموسى وعيسى (عليهما السلام) مما كلموا به أممهم شيء كثير من هذا القبيل كقول نوح:"رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا": نوح - 21 ، وقول هود لقومه:"أ تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين": الشعراء - 130 ، وقول صالح لقومه:"و لا تطيعوا أمر المسرفين": الشعراء - 151 ، وقول إبراهيم لأبيه وقومه:"ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين": الأنبياء - 54 ، وقوله تعالى لموسى وأخيه:"اذهبا إلى فرعون إنه طغى - إلى أن قال -: فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم": طه - 47 ، وقول عيسى لقومه:"و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون": الزخرف - 63 ، فالدين الفطري هو الذي ينفي البغي والفساد ، وهذه المظالم والسلطات بغير الحق الهادمة لأساس السعادة والمخربة لبنيان الحق والحقيقة ، وإلى ذلك يشير قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع: وقد ذكره المسعودي في حوادث سنة عشر من الهجرة في مروج الذهب ،"ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"وكأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد به رجوع الناس إلى حكم الفطرة باستقرار سيرة الإسلام بينهم.

والكلام أعني قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله"الخ"، على كونه آخذا بمجامع غرض النبوة مفصح عن سبب الحكم وملاكه.

أما قوله: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، فلأن الألوهية هي التي يأله إليه ويتوله فيه كل شيء من كل وجه ، وهو أن يكون منشأ لكل كمال في الأشياء على كثرتها وارتباطها واتحادها في الحاجة ، وفيه كل كمال يفتاق إليه الأشياء ، وهذا المعنى لا يستقيم إلا إذا كان واحدا غير كثير ، ومالكا إليه تدبير كل شيء ، فمن الواجب أن يعبد الله لأنه إله واحد لا شريك له ، ومن الواجب أن لا يتخذ له شريك في عبادته ، وبعبارة أخرى ، هذا العالم وجميع ما يحتوي عليه لا يصح ولا يجوز أن يخضع ويتصغر إلا لمقام واحد إذ هؤلاء المربوبون لوحدة نظامهم وارتباط وجودهم لا رب لهم إلا واحد إذ لا خالق لهم إلا واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت