فهرس الكتاب

الصفحة 677 من 4314

و نظير عبادة المسيح لله سبحانه في الدلالة على المغايرة دعوته الناس إلى عبادة الله كما يشير إليه قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار": المائدة - 72 ، وسبيل الآية واحتجاجها ظاهر."

والأناجيل أيضا مشحونة في دعوته إلى الله سبحانه ، وهي وإن لم تشتمل على هذا اللفظ الجامع اعبدوا الله ربي وربكم لكنها مشتملة على الدعوة إلى عبادة الله ، وعلى اعترافه بأنه ربه الذي بيده زمام أمره ، وعلى اعترافه بأنه رب الناس ، ولا تتضمن دعوته إلى عبادة نفسه صريحا ولا مرة مع ما فيها من قوله: أنا وأبي واحد نحن"إنجيل يوحنا - الإصحاح العاشر ، فمن الواجب أن يحمل على تقدير صحته على أن المراد: أن إطاعتي إطاعة الله كما قال تعالى في كتابه الكريم:"من يطع الرسول فقد أطاع الله": النساء - 80."

5 -المسيح من الشفعاء عند الله وليس بفاد:

زعمت النصارى: أن المسيح فداهم بدمه الكريم ، ولذلك لقبوه بالفادي ، قالوا: إن آدم لما عصى الله بالأكل من الشجرة المنهية في الجنة أخطأ بذلك ولزمته الخطيئة ، وكذلك لزمت ذريته من بعده ما توالدوا وتناسلوا ، وجزاء الخطيئة العقاب في الآخرة والهلاك الأبدي الذي لا مخلص منه ، وقد كان الله سبحانه رحيما عادلا.

فبدا إذ ذاك إشكال عويص لا انحلال له ، وهو أنه لو عاقب آدم وذريته بخطيئتهم كان ذلك منافيا لرحمته التي لها خلقهم ، ولو غفر لهم كان ذلك منافيا لعدله فإن مقتضى العدل أن يعاقب المجرم الخاطىء بجرمه وخطيئته كما أن مقتضاه أن يثاب المحسن المطيع بإحسانه وإساءته.

ولم تزل هذه العويصة على حالها حتى حلها ببركة المسيح ، وذلك بأن حل المسيح وهو ابن الله ، وهو الله نفسه رحم واحدة من ذرية آدم وهو مريم البتول وتولد منها كما يتولد إنسان فكان بذلك إنسانا كاملا لأنه ابن إنسان ، وإلها كاملا لأنه ابن الله ، وابن الله هو الله تعالى معصوما عن جميع الذنوب والخطايا.

وبعد أن عاش بين الناس برهة يسيرة من الزمان يعاشرهم ويخالطهم ، ويأكل ويشرب معهم ، ويكلمهم ويستأنس بهم ، ويمشي فيهم تسخر لأعدائه ليقتلوه شر قتلة ، وهي قتلة الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الإلهي فاحتمل اللعن والصلب بما فيه من الزجر والأذى والعذاب ففدى الناس بنفسه ليخلصوا بذلك من عقاب الآخرة وهلاك السرمد وهو كفارة لخطايا المؤمنين به بل لخطايا كل العالم هذا ما قالوه.

وقد جعلت النصارى هذه الكلمة أعني مسألة الصلب والفداء أساس دعوتهم فلا يبدءون إلا بها ، ولا يختمون إلا عليها كما أن القرآن يجعل أساس الدعوة الإسلامية هو التوحيد كما قال الله مخاطبا لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين": يوسف - 108 ، مع أن المسيح على ما يصرح به الأناجيل ، وقد تقدم نقله.

كان يجعل أول الوصايا هو التوحيد ومحبة الله سبحانه.

وقد ناقشهم غيرهم من المسلمين وسائر الباحثين فيما يشتمل عليه قولهم هذا من وجوه الفساد والبطلان ، وألفت فيها كتب ورسائل وملئت بها صحف وطوامير ببيان منافاتها لضرورة العقل ، ومناقضتها لكتب العهدين.

والذي يهمنا ويوافق الغرض الموضوع له هذا الكتاب بيان جهات منافاته لأصول تعليم القرآن وختمه ببيان الفرق بين ما يثبته القرآن من الشفاعة وما يثبتونه من الفداء.

على أن القرآن يذكر صراحة أنه إنما يخاطب الناس ويكلمهم ببيان ما يقرب من أفق عقولهم ، ويمكن بياناته من فقههم وفهمهم ، وهو الأمر الذي به يميز الإنسان الحق من الباطل فينقاد لهذا ويأبى ذاك ، ويفرق بين الخير والشر والنافع والضار فيأخذ بهذا ويترك ذاك ، والذي ذكرناه من اعتبار القرآن في بياناته حكم العقل السليم مما لا غبار عليه عند من راجع الكتاب العزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت