فهرس الكتاب

الصفحة 703 من 4314

قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، الطعام كل ما يطعم ويتغذى به وكان يطلق عند أهل الحجاز على البر خاصة وينصرف إليه عندهم لدى الإطلاق ، والحل مقابل الحرمة ، وكأنه مأخوذ من الحل مقابل العقد والعقل فيفيد معنى الإطلاق ، وإسرائيل هو يعقوب النبي (عليه السلام) سمي به لأنه كان مجاهدا في الله مظفرا به ، ويقول أهل الكتاب: إن معناه المظفر الغالب على الله سبحانه لأنه صارع الله في موضع يسمى فنيئيل فغلبه على ما في التوراة وهو مما يكذبه القرآن ويحيله العقل.

وقوله: إلا ما حرم إسرائيل على نفسه استثناء من الطعام المذكور آنفا ، وقوله: من قبل أن تنزل التوراة متعلق بكان في الجملة الأولى ، والمعنى لم يحرم الله قبل نزول التوراة شيئا من الطعام على بني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه.

وفي قوله تعالى: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، دلالة على أنهم كانوا ينكرون ذلك ، أعني حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة ، ويدل عليه أنهم كانوا ينكرون النسخ في الشرائع ويحيلون ذلك كما مر ذكره في ذيل قوله تعالى:"ما ننسخ من آية أو ننسها"الآية: البقرة - 106 ، فهم كانوا ينكرون بالطبع قوله تعالى:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم": النساء - 160.

وكذا يدل قوله تعالى بعد: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ، أنهم كانوا يجعلون ما ينكرونه من حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة ، وكون التحريم إنما نزل عليهم لظلمهم بنسخ الحل بالحرمة وسيلة إلى إلقاء الشبهة على المسلمين ، والاعتراض على ما كان يخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ربه أن دينه هو ملة إبراهيم الحنيف ، وهي ملة فطرية لا إفراط فيها ولا تفريط ، كيف؟ وهم كانوا يقولون: إن إبراهيم كان يهوديا على شريعة التوراة ، فكيف يمكن أن تشتمل ملته على حلية ما حرمتها التوراة ، والنسخ غير جائز؟.

فقد تبين أن الآية إنما تتعرض لدفع شبهة أوردتها اليهود ، ويظهر من عدم تعرض الآية لنقل الشبهة عنهم كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد كقوله تعالى:"و قالت اليهود يد الله مغلولة": المائدة - 64 ، وقوله:"و قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة": البقرة - 80 ، وقوله"و قالوا قلوبنا غلف": البقرة - 88 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

وكذا قوله تعالى بعد عدة آيات:"قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن - إلى أن قال -: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين الآيات": آل عمران"98100."

وبالجملة يظهر من ذلك أنها كانت شبهة تلقيه اليهود لا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بل على المؤمنين في ضمن ما كانوا يتلاقون ويتحاورون.

وحاصلها: أنه كيف يكون النبي صادقا وهو يخبر بالنسخ ، وأن الله إنما حرم الطيبات على بني إسرائيل لظلمهم ، وهذا نسخ لحل سابق لا يجوز على الله سبحانه بل المحرمات محرمة دائما من غير إمكان تغيير لحكم الله ، وحاصل الجواب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعليم من الله تعالى: أن التوراة ناطقة بكون كل الطعام حلا قبل نزولها فأتوا بالتوراة واتلوها إن كنتم صادقين في قولكم ، وهو قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلى قوله -: إن كنتم صادقين.

فإن أبيتم الإتيان بالتوراة وتلاوتها فاعترفوا بأنكم المفترون على الله الكذب وأنكم الظالمون ، وذلك قوله تعالى: فمن افترى - إلى قوله الظالمون.

وقد تبين بذلك أني صادق في دعوتي فاتبعوا ملتي وهي ملة إبراهيم حنيفا ، وذلك قوله تعالى: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم إلى آخر الآية.

وللمفسرين في توضيح معنى الآية بيانات مختلفة لكنهم على أي حال ذكروا أن الآية متعرضة لبيان شبهة أوردتها اليهود مرتبطة بالنسخ كما مر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت