فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 4314

فقوله: فاتقوا الله ما استطعتم الآية كلام يتلقاه الأفهام المختلفة بمعان مختلفة على حسب ما يطبقه كل فهم على ما يستطيعه صاحبه ثم يكون ذلك وسيلة ليفهم من هذه الآية أعني قوله ، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أن المراد أن يقعوا في صراط حق التقوى ، ويقصدوا نيل هذا المقام والشخوص والمثول فيه ، وذلك نظير الاهتداء إلى الصراط المستقيم الذي لا يتمكن منه إلا الأوحديون ، ومع ذلك يدعى إليه جميع الناس ، فيكون محصل الآيتين: اتقوا الله حق تقاته - فاتقوا الله ما استطعتم أن يندب جميع الناس ويدعوا إلى حق التقوى ثم يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا ، وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلا أنهم في مراحل مختلفة ، وعلى درجات مختلفة على طبق ما عندهم من الأفهام والهمم ، وعلى ما يفاض عليهم من توفيق الله وتأييده وتسديده ، فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيتين.

ومنه يظهر: أن الآيتين غير مختلفتين بحسب المضمون ، ولا أن الآية الأولى أعني قوله: اتقوا الله حق تقاته الآية ، أريد بها عين ما أريد من قوله: فاتقوا الله ما استطعتم الآية ، بل الآية الأولى تدعو إلى المقصد والثانية تبين كيفية السلوك.

قوله تعالى: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون الموت من الأمور التكوينية التي هي خارجة عن حومة اختيارنا ، ولذلك يكون الأمر والنهي المتعلقان به وبأمثاله أمرا ونهيا تكوينيين كقوله:"فقال لهم الله موتوا": البقرة - 243 ، وقوله:"أن يقول له كن فيكون": يس - 82 ، إلا أنه ربما يجعل الأمر غير الاختياري مضافا إلى أمر اختياري فيتركبان بنحو وينسب المركب إلى الاختيار فيتأتى الأمر والنهي الاعتباري حينئذ كقوله تعالى:"فلا تكونن من الممترين": البقرة - 147 ، وقوله:"و لا تكن مع الكافرين": هود - 42 ، وقوله:"و كونوا مع الصادقين": التوبة - 119 ، وغير ذلك ، فإن أصل الكون لازم تكويني للإنسان لا أثر لاختياره فيه لكنه بارتباطه بأمر اختياري كالامتراء والكفر والتزام الصدق مثلا يعد أمرا اختياريا فيؤمر به وينهى عنه أمرا ونهيا مولويين.

وبالجملة النهي عن الموت إلا مع الإسلام إنما هو لمكان عده اختياريا ويرجع بالأخرة إلى الكناية عن لزوم التزام الإسلام في جميع الحالات حتى يقع الموت في واحدة من هذه الحالات ، فيكون الميت مات في حال الإسلام.

قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، ذكر سبحانه فيما مر من قوله: وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله الآية أن التمسك بآيات الله وبرسوله الكتاب والسنة اعتصام بالله مأمون معه المتمسك المعتصم ، مضمون له الهدى ، والتمسك بذيل الرسول تمسك بذيل الكتاب فإن الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا: الحشر - 7.

وقد بدل في هذه الآية الاعتصام المندوب إليه في تلك الآية بالاعتصام بحبل الله فأنتج ذلك أن حبل الله هو الكتاب المنزل من عند الله ، وهو الذي يصل ما بين العبد والرب ويربط السماء بالأرض ، وإن شئت قلت: إن حبل الله هو القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد عرفت أن مآل الجميع واحد.

والقرآن وإن لم يدع إلا إلى حق التقوى والإسلام الثابت لكن غرض هذه الآية غير غرض الآية السابقة الآمرة بحق التقوى والموت على الإسلام فإن الآية السابقة تتعرض لحكم الفرد ، وهذه الآية تتعرض لحكم الجماعة المجتمعة والدليل عليه قوله:"جميعا"وقوله:"و لا تفرقوا فالآيات تأمر المجتمع الإسلامي بالاعتصام بالكتاب والسنة كما تأمر الفرد بذلك."

قوله تعالى:"و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا"جملة إذ كنتم ، بيان لما ذكر من النعمة ، وعليه يعطف قوله:"و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها."

والأمر بذكر هذه النعمة مبني على ما عليه دأب القرآن أن يضع تعليمه على بيان العلل والأسباب ، ويدعو إلى الخير والهدى من وجهه من غير أن يأمر بالتقليد العامي المعمي ، وحاشا التعليم الإلهي أن يهدي الناس إلى السعادة وهي العلم النافع والعمل الصالح ثم يأمر بالوقوع في تيه التقليد وظلمة الجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت