فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 4314

ففيه فساد ظاهر وقد فاته أن بين الآيتين أعني آية النساء وآية الحجرات فرقا بينا فإن آية الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة الإنسانية ، ونفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكون كل واحد منهم إلى أب وأم إنسانين فلا ينبغي أن يتكبر أحدهم على الآخرين ولا يتكرم إلا بالتقوى ، وأما آية النساء فهي في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة ، وأنهم على كثرتهم رجالا ونساء إنما اشتقوا من أصل واحد وتشعبوا من منشإ واحد فصاروا كثيرا على ما هو ظاهر قوله: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب كون المراد من النفس الواحدة وزوجها مطلق الذكر والأنثى الناسلين من الإنسان على أنه لا يناسب غرض السورة أيضا كما تقدم بيانه.

وأما قوله: وخلق منها زوجها فقد قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج ، ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج كالخف والنعل ، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج ، إلى أن قال: وزوجه لغة رديئة ، انتهى.

وظاهر الجملة أعني قوله: وخلق منها زوجها أنها بيان لكون زوجها من نوعها بالتماثل وأن هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعا إلى فردين متماثلين متشابهين فلفظة من نشوئية والآية في مساق قوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة: - الروم 21 ، وقوله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة: - النحل 72 ، وقوله تعالى: فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه: - الشورى 11 ، ونظيرها قوله: ومن كل شيء خلقنا زوجين: - الذاريات 49 ، فما في بعض التفاسير: أن المراد بالآية كون زوج هذه النفس مشتقة منها وخلقها من بعضها وفاقا لما في بعض الأخبار: أن الله خلق زوجة آدم من ضلع من أضلاعه مما لا دليل عليه من الآية.

وأما قوله: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، البث هو التفريق بالإثارة ونحوها قال تعالى: فكانت هباء منبثا: - الواقعة 6 ، ومنه بث الغم ولذلك ربما يطلق البث ويراد به الغم لأنه مبثوث يبثه الإنسان بالطبع ، قال تعالى: قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله: - يوسف 86 ، أي غمي وحزني.

وظاهر الآية أن النسل الموجود من الإنسان ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، ولم يقل: منهما ومن غيرهما ، ويتفرع عليه أمران: أحدهما: أن المراد بقوله: رجالا كثيرا ونساء أفراد البشر من ذريتهما بلا واسطة أو مع واسطة فكأنه قيل: وبثكم منهما أيها الناس.

وثانيهما: أن الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم وزوجته أعني في أولادهما بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة والأخوات ازدواج البنين بالبنات إذ الذكور والإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ ، ولا ضير فيه فإنه حكم تشريعي راجع إلى الله سبحانه فله أن يبيحه يوما ويحرمه آخر ، قال تعالى: والله يحكم لا معقب لحكمه: - الرعد 41 ، وقال: إن الحكم إلا لله: - يوسف 40 ، وقال: ولا يشرك في حكمه أحدا: - الكهف 26 ، وقال: وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون: - القصص 70.

قوله تعالى:"و اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"المراد بالتساؤل سؤال بعض الناس بعضا بالله ، يقول أحدهم لصاحبه: أسألك بالله أن تفعل كذا وكذا هو إقسام به تعالى ، والتساؤل بالله كناية عن كونه تعالى معظما عندهم محبوبا لديهم فإن الإنسان إنما يقسم بشيء يعظمه ويحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت