و السابق إلى أذهاننا - المأنوسة بالأفكار التجربية الدائرة في المجتمع - من هذه الآيات أن هذا الانعكاس إنما هو من عمل الإنسان إلى نفسه إلا أن هناك آيات دالة على أن الأمر أوسع من ذلك ، وأن عمل الإنسان خيرا أو شرا ربما عاد إليه في ذريته وأعقابه قال تعالى: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك: - الكهف: 82 ، فظاهر الآية أن لصلاح أبيهما دخلا فيما أراده الله رحمة بهما ، وقال تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم الآية.
وعلى هذا فأمر انعكاس العمل أوسع وأعم ، والنعمة أو المصيبة ربما تحلان بالإنسان بما كسبت يدا شخصه أو أيدي آبائه.
والتدبر في كلامه تعالى يهدي إلى حقيقة السبب في ذلك فقد تقدم في الكلام على الدعاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب في قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني: - البقرة: 186 ، دلالة كلامه تعالى على أن جميع ما يحل الإنسان من جانبه تعالى إنما هو لمسألة سألها ربه ، وأن ما مهده من مقدمة وداخله من الأسباب سؤال منه لما ينتهي إليه من الحوادث والمسببات قال تعالى: يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن: - الرحمن: 29 ، وقال تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها: - إبراهيم: 34 ، ولم يقل: وإن تعدوه لا تحصوه لأن فيما سألوه ما ليس بنعمة ، والمقام مقام الامتنان بالنعم واللوم على كفرها ولذا ذكر بعض ما سألوه وهو النعمة.
ثم إن ما يفعله الإنسان لنفسه ويوقعه على غيره من خير أو شر يرتضيه لمن أوقع عليه وهو إنسان مثله فليس إلا أنه يرتضيه لنفسه ويسأله لشخصه فليس هناك إلا الإنسانية ومن هاهنا يتضح للإنسان أنه إن أحسن لأحد فإنما سأل الله ذلك الإحسان لنفسه دعاء مستجابا وسؤالا غير مردود ، وإن أساء على أحد أو ظلمه فإنما طلب ذلك لنفسه وارتضاه لها وما يرتضيه لأولاد الناس ويتاماهم يرتضيه لأولاد نفسه ويسأله لهم من خير أو شر ، قال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات: - البقرة: 148 ، فإن معناه أن استبقوا الخيرات لتكون وجهتكم خيرا.
والاشتراك في الدم ووحدة الرحم يجعل عمود النسب وهو العترة شيئا واحدا فأي حال عرضت لجانب من جوانب هذا الواحد ، وأي نازلة نزلت في طرف من أطرافها فإنما عرضت ونزلت على متنه وهو في حساب جميع الأطراف ، وقد مر شطر من الكلام في الرحم في أول هذه السورة.
فقد ظهر بهذا البيان أن ما يعامل به الإنسان غيره أو ذرية غيره فلا محيص من أن ينعكس إلى نفسه أو ينقلب إلى ذريته إلا أن يشاء الله ، وإنما استثنينا لأن في الوجود عوامل وجهات غير محصورة لا يحيط بجميعها إحصاء الإنسان ، ومن الممكن أن تجري هناك عوامل وأسباب لم نتنبه لها أو لم نطلع عليها توجب خلاف ذلك كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير:"الشورى: 30".
قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا"الآية يقال: أكله وأكله في بطنه وهما بمعنى واحد غير أن التعبير الثاني أصرح والآية كسابقتها متعلقه للمضمون بقوله: للرجال نصيب الآية وهي تخويف وردع للناس عن هضم حقوق اليتامى في الإرث."
والآية مما يدل على تجسم الأعمال على ما مر في الجزء الأول من هذا الكتاب في قوله تعالى: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما:"البقرة: 26"ولعل هذا مراد من قال من المفسرين إن قوله: إنما يأكلون في بطونهم نارا ، كلام على الحقيقة دون المجاز وعلى هذا لا يرد عليه ما أورده بعض المفسرين: أن قوله: يأكلون أريد به الحال دون الاستقبال بقرينة عطف قوله: وسيصلون سعيرا عليه وهو فعل دخل عليه حرف الاستقبال فلو كان المراد به حقيقة الأكل - ووقته يوم القيامة - لكان من اللازم أن يقال: سيأكلون في بطونهم نارا ويصلون سعيرا فالحق أن المراد به المعنى المجازي ، وأنهم في أكل مال اليتيم كمن يأكل في بطنه نارا انتهى ملخصا وهو غفلة عن معنى تجسم الأعمال.
وأما قوله: وسيصلون سعيرا فهو إشارة إلى العذاب الأخروي ، والسعير من أسماء نار الآخرة يقال صلى النار يصلاها صلى وصليا أي احترق بها وقاسى عذابها.