فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 4314

قوله تعالى:"و لكم نصف ما ترك أزواجكم"إلى قوله:"توصون بها أو دين"المعنى ظاهر ، وقد استعمل النصف بالإضافة فقيل: نصف ما ترك ، والربع بالقطع فقيل: ولهن الربع مما تركتم فإن القطع عن الإضافة يستلزم التتميم بمن ظاهره أو مقدرة ، ومن هذه تفيد معنى الأخذ والشروع من الشيء وهذا المعنى يناسب كون مدخول من كالجزء التابع من الشيء المبتدأ منه وكالمستهلك فيه ، وهذا إنما يناسب ما إذا كان المدخول قليلا أو ما هو كالقليل بالنسبة إلى المبتدأ منه كالسدس والربع والثلث من المجموع دون مثل النصف والثلثين ، ولذا قال تعالى: السدس مما ترك ، وقال: فلأمه الثلث ، وقال: فلكم الربع بالقطع عن الإضافة في جميع ذلك ، وقال: ولكم نصف ما ترك ، وقال: فلهن ثلثا ما ترك بالإضافة ، وقال: فلها النصف أي نصف ما ترك فاللام عوض عن المضاف إليه.

قوله تعالى:"و إن كان رجل يورث كلالة أو امرأة"إلى آخر الآية أصل الكلالة مصدر بمعنى الإحاطة ، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس ومنه الكل - بضم الكاف - لإحاطته بالأجزاء ، ومنه الكل - بفتح الكاف - لنوع إحاطة منه ثقيلة على من هو كل عليه ، قال الراغب: الكلالة اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة ، قال: وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن الكلالة فقال: من مات وليس له ولد ولا والد فجعله اسما للميت ، وكلا القولين صحيح فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث جميعا ، انتهى.

أقول: وعلى هذا فلا مانع من كون كان ناقصة ورجل اسمها ويورث وصفا للرجل وكلالة خبرها والمعنى: وإن كان الميت كلالة للوارث ليس أبا له ولا ابنا.

ويمكن أن يكون كان تامة ورجل يورث فاعله وكلالة مصدرا وضع موضع الحال ، ويئول المعنى أيضا إلى كون الميت كلالة للورثة ، وقال الزجاج على ما نقل عنه: من قرأ يورث - بكسر الراء - فكلالة مفعول ، ومن قرأ يورث - بفتح الراء - فكلالة منصوب على الحال.

وقوله: غير مضار منصوب على الحال ، والمضارة هو الإضرار وظاهره أن المراد به الإضرار بالدين من قبل الميت كان يعتمل بالدين للإضرار بالورثة وتحريمهم الإرث ، أو المراد المضارة بالدين كما ذكروا بالوصية بما يزيد على ثلث المال.

قوله تعالى:"تلك حدود الله"إلى آخر الآيتين الحد هو الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر وارتفاع التمايز بينهما كحد الدار والبستان ، والمراد بها أحكام الإرث والفرائض المبينة ، وقد عظم الله أمرها بما ذكر في الآيتين من الثواب على إطاعته وإطاعة رسوله فيها والعذاب الخالد المهين على المعصية.

كلام في الإرث على وجه كلي

هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم إلى آخر الآيتين ، والآية التي في آخر السورة: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إلى آخر الآية ، مع قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان الآية ، ومع قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله:"الأحزاب: 6 ، الأنفال: 7"، خمس آيات أو ست هي الأصل القرآني للإرث في الإسلام والسنة تفسرها أوضح تفسير وتفصيل.

والكليات المنتزعة المستفادة منها التي هي الأصل في تفاصيل الأحكام أمور: منها: ما تقدم في قوله: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ، ويظهر منها أن للقرب والبعد من الميت تأثيرا في باب الإرث ، وإذا ضمت الجملة إلى بقية الآية أفادت أن ذلك مؤثر في زيادة السهم وقلته وعظمه وصغره ، وإذا ضمت إلى قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أفادت أن الأقرب نسبا في باب الإرث يمنع الأبعد.

فأقرب الأقارب إلى الميت الأب والأم والابن والبنت إذ لا واسطة بينهم وبين الميت ، والابن والبنت يمنعان أولاد أنفسهما لأنهم يتصلون به بواسطتهم فإذا فقدت واسطتهم فهم يقومون مقامها.

وتتلوها المرتبة الثانية وهم إخوة الميت وأخواته وجده وجدته فإنهم يتصلون بالميت بواسطة واحدة وهي الأب أو الأم ، وأولاد الأخ والأخت يقومون مقام أبيهم وأمهم ، وكل بطن يمنع من بعده من البطون كما مر.

وتتلو هذه المرتبة مرتبة أعمام الميت وأخواله وعماته وخالاته فإن بينهم وبين الميت واسطتين وهما الجد أو الجدة والأب أو الأم ، والأمر على قيام ما مر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت