فهرس الكتاب

الصفحة 774 من 4314

و حاصل هذا الوضع والتشريع العجيب أن الرجل والمرأة متعاكسان في الملك والمصرف فللرجل ملك ثلثي ثروة الدنيا وله مصرف ثلثها ، وللمرأة ملك ثلث الثروة ولها مصرف ثلثيها ، وقد لوحظ في ذلك غلبة روح التعقل على روح الإحساس والعواطف في الرجل ، والتدبير المالي بالحفظ والتبديل والإنتاج والاسترباح أنسب وأمس بروح التعقل ، وغلبة العواطف الرقيقة والإحساسات اللطيفة على روح التعقل في المرأة ، وذلك بالمصرف أمس وألصق فهذا هو السر في الفرق الذي اعتبره الإسلام في باب الإرث والنفقات بين الرجال والنساء.

وينبغي أن يكون زيادة روح التعقل بحسب الطبع في الرجل ومزيته على المرأة في هذا الشأن هو المراد بالفضل الذي ذكره الله سبحانه في قوله عز من قائل: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض الآية ، دون الزيادة في البأس والشدة والصلابة فإن الغلظة والخشونة في قبيل الرجال وإن كانت مزية وجودية يمتاز بها الرجل من المرأة وتترتب عليها في المجتمع الإنساني آثار عظيمة في أبواب الدفاع والحفظ والأعمال الشاقة وتحمل الشدائد والمحن والثبات والسكينة في الهزاهز والأهوال ، وهذه شئون ضرورية في الحياة لا يقوم لها قبيل النساء بالطبع.

لكن النساء أيضا مجهزات بما يقابلها من الإحساسات اللطيفة والعواطف الرقيقة التي لا غنى للمجتمع عنها في حياته ، ولها آثار هامة في أبواب الأنس والمحبة والسكن والرحمة والرأفة وتحمل أثقال التناسل والحمل والوضع والحضانة والتربية والتمريض وخدمة البيوت ، ولا يصلح شأن الإنسان بالخشونة والغلظة لو لا اللينة والرقة ، ولا بالغضب لو لا الشهوة ، ولا أمر الدنيا بالدفع لو لا الجذب.

وبالجملة هذان تجهيزان متعادلان في الرجل والمرأة يتعادل بهما كفتا الحياة في المجتمع المختلط المركب من القبيلين ، وحاشاه سبحانه أن يحيف في كلامه أو يظلم في حكمه أم يخافون أن يحيف الله عليهم ، ولا يظلم ربك أحدا وهو القائل: بعضكم من بعض:"آل عمران: 195"وقد أشار إلى هذا الالتيام والبعضية بقوله في الآية: بما فضل الله بعضهم على بعض.

وقال أيضا: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون:"الروم: 21"فانظر إلى عجيب بيان الآيتين حيث وصف الإنسان وهو الرجل بقرينة المقابلة بالانتشار وهو السعي في طلب المعاش ، وإليه يعود جميع أعمال اقتناء لوازم الحياة بالتوسل إلى القوة والشدة حتى ما في المغالبات والغزوات والغارات ولو كان للإنسان هذا الانتشار فحسب لانقسم أفراده إلى واحد يكر وآخر يفر.

لكن الله سبحانه خلق النساء وجهزهن بما يوجب أن يسكن إليهن الرجال وجعل بينهم مودة ورحمة فاجتذبن الرجال بالجمال والدلال والمودة والرحمة ، فالنساء هن الركن الأول والعامل الجوهري للاجتماع الإنساني.

ومن هنا ما جعل الإسلام الاجتماع المنزلي وهو الازدواج هو الأصل في هذا الباب قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم:"الحجرات: 13"، فبدأ بأمر ازدواج الذكر والأنثى وظهور التناسل بذلك ثم بنى عليه الاجتماع الكبير المتكون من الشعوب والقبائل.

ومن ذيل الآية يظهر أن التفضيل المذكور في قوله: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض الآية ، إنما هو تفضيل في التجهيز بما ينتظم به أمر الحياة الدنيوية أعني المعاش أحسن تنظيم ، ويصلح به حال المجتمع إصلاحا جيدا ، وليس المراد به الكرامة التي هي الفضيلة الحقيقية في الإسلام وهي القربى والزلفى من الله سبحانه فإن الإسلام لا يعبأ بشيء من الزيادات الجسمانية التي لا يستفاد منها إلا للحياة المادية وإنما هي وسائل يتوسل بها لما عند الله.

فقد تحصل من جميع ما قدمنا أن الرجال فضلوا على النساء بروح التعقل الذي أوجب تفاوتا في أمر الإرث وما يشبهه لكنها فضيلة بمعنى الزيادة وأما الفضيلة بمعنى الكرامة التي يعتني بشأنها الإسلام فهي التقوى أينما كانت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت