فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 4314

و هذا الاستدلال أشبه بالاستدلال بما ينتج نقيض المطلوب فإن اختصاصهن بالعواطف الرقيقة أو زيادتها فيهن هو الموجب لتأخرهن فيما يحتاج من الأمور إلى قوة التعقل وتسلطه على العواطف الروحية الرقيقة كالحكومة والقضاء ، وتقدم من يزيد عليهن في ذلك وهم الرجال فإن التجارب القطعية تفيد أن من اختص بقوة صفة من الصفات الروحية فإنما تنجح تربيته فيما يناسبها من المقاصد والمآرب ، ولازمه أن تنجح تربية الرجال في أمثال الحكومة والقضاء ويمتازوا عنهن في نيل الكمال فيها ، وأن تنجح تربيتهن فيما يناسب العواطف الرقيقة ويرتبط بها من الأمور كبعض شعب صناعة الطب والتصوير والموسيقى والنسج والطبخ وتربية الأطفال وتمريض المرضى وأبواب الزينة ونحو ذلك ، ويتساوى القبيلان فيما سوى ذلك.

على أن تأخرهن فيما ذكر من الأمور لو كان مستندا إلى الاتفاق والصدفة كما ذكر لانتقض في بعض هذه الأزمنة الطويلة التي عاش فيها المجتمع الإنساني وقد خمنوها بملايين من السنين كما أن تأخر الرجال فيما يختص من الأمور المختصة بالنساء كذلك ولو صح لنا أن نعد الأمور اللازمة للنوع غير المنفكة عن مجتمعهم وخاصة إذا ناسبت أمورا داخلية في البنية الإنسانية من الاتفاقيات لم يسع لنا أن نحصل على خلة طبيعية فطرية من خلال الإنسانية العامة كميل طباعه إلى المدنية والحضارة ، وحبه للعلم ، وبحثه عن أسرار الحوادث ونحو ذلك فإن هذه صفات لازمة لهذا النوع وفي بنية أفراده ما يناسبها من القرائح نعدها لذلك صفات فطرية نظير ما نعد تقدم النساء في الأمور الكمالية المستظرفة وتأخرهن في الأمور التعقلية والأمور الهائلة والصعبة الشديدة من مقتضى قرائحهن ، وكذلك تقدم الرجال وتأخرهم في عكس ذلك.

فلا يبقى بعد ذلك كله إلا انقباضهن من نسبة كمال التعقل إلى الرجال وكمال الإحساس والتعطف إليهن ، وليس في محله فإن التعقل والإحساس في نظر الإسلام موهبتان إلهيتان مودعتان في بنية الإنسان لمآرب إلهية حقة في حياته لا مزية لإحداهما على الأخرى ولا كرامة إلا للتقوى ، وأما الكمالات الأخر كائنة ما كانت فإنما تنمو وتربو إذا وقعت في صراطه وإلا لم تعد إلا أوزارا سيئة.

6 -قوانين الإرث الحديثة:

هذه القوانين والسنن وإن خالفت قانون الإرث الإسلامي كما وكيفا على ما سيمر بك إجمالها غير أنها استظهرت في ظهورها واستقرارها بالسنة الإسلامية في الإرث فكم بين موقف الإسلام عند تشريع إرث النساء في الدنيا وبين موقفهن من الفرق.

فقد كان الإسلام يظهر أمرا ما كانت الدنيا تعرفه ولا قرعت أسماع الناس بمثله ، ولا ذكرته أخلاف عن أسلافهم الماضين وآبائهم الأولين ، وأما هذه القوانين فإنها أبديت وكلف بها أمم حينما كانت استقرت سنة الإسلام في الإرث بين الأمم الإسلامية في معظم المعمورة بين مئات الملايين من الناس توارثها الأخلاف من أسلافهم في أكثر من عشرة قرون ، ومن البديهيات في أبحاث النفس أن وقوع أمر من الأمور في الخارج ثم ثبوتها واستقرارها نعم العون في وقوع ما يشابهها وكل سنة سابقة من السنن الاجتماعية مادة فكرية للسنن اللاحقة المجانسة بل الأولى هي المادة المتحولة إلى الثانية فليس لباحث اجتماعي أن ينكر استظهار القوانين الجديدة في الإرث بما تقدمها من الإرث الإسلامي وتحوله إليها تحولا عادلا أو جائرا.

ومن أغرب الكلام ما ربما يقال - قاتل الله عصبية الجاهلية الأولى -: أن القوانين الحديثة إنما استفادت في موادها من قانون الروم القديمة ، وأنت قد عرفت ما كانت عليه سنة الروم القديمة في الإرث ، وما قدمته السنة الإسلامية إلى المجتمع البشري وأن السنة الإسلامية متوسطة في الظهور والجريان العملي بين القوانين الرومية القديمة وبين القوانين الغربية الحديثة وكانت متعرفة متعمقة في مجتمع الملايين ومئات الملايين من النفوس الإنسانية قرونا متوالية متطاولة ، ومن المحال أن تبقى سدى وعلى جانب من التأثير في أفكار هؤلاء المقننين.

وأغرب منه أن هؤلاء القائلين يذكرون أن الإرث الإسلامي مأخوذ من الإرث الرومي القديم!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت