فهرس الكتاب

الصفحة 788 من 4314

و الدليل على أن المراد بالقريب في الآية هو ما قبل ظهور آية الموت قوله تعالى في الآية التالية: وليست التوبة إلى قوله: قال إني تبت الآن.

وعلى هذا يكون قوله: ثم يتوبون من قريب كناية عن المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة.

ويتبين مما مر أن القيدين جميعا أعني قوله: بجهالة ، وقوله: ثم يتوبون من قريب احترازيان يراد بالأول منهما أن لا يعمل السوء عن عناد واستعلاء على الله ، وبالثاني منهما أن لا يؤخر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلا وتوانيا ومماطلة إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية فيكون توبته تعالى أيضا قبول هذا الرجوع ، ولا معنى للعبودية إلا مع الحياة الدنيوية التي هي ظرف الاختيار وموطن الطاعة والمعصية ، ومع طلوع آية الموت لا اختيار تتمشى معه طاعة أو معصية ، قال تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا:"الأنعام 158"وقال تعالى: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون:"المؤمن: 85"إلى غير ذلك من الآيات.

وبالجملة يعود المعنى إلى أن الله سبحانه إنما يقبل توبة المذنب العاصي إذا لم يقترف المعصية استكبارا على الله بحيث يبطل منه روح الرجوع والتذلل لله ، ولم يتساهل ويتسامح في أمر التوبة تساهلا يؤدي إلى فوت الفرصة بحضور الموت.

ويمكن أن يكون قوله: بجهالة قيدا توضيحيا ، ويكون المعنى: للذين يعملون السوء ولا يكون ذلك إلا عن جهل منهم فإنه مخاطرة بالنفس وتعرض لعذاب أليم ، أو لا يكون ذلك إلا عن جهل منهم بكنه المعصية وما يترتب عليها من المحذور ، ولازمه كون قوله: ثم يتوبون من قريب إشارة إلى ما قبل الموت لا كناية عن المساهلة في أمر التوبة فإن من يأتي بالمعصية استكبارا ولا يخضع لسلطان الربوبية يخرج على هذا الفرض بقوله: ثم يتوبون من قريب لا بقوله: بجهالة وعلى هذا لا يمكن الكناية بقوله: ثم يتوبون عن التساهل والتواني فافهم ذلك ، ولعل الوجه الأول أوفق لظاهر الآية.

وقد ذكر بعضهم: أن المراد بقوله: ثم يتوبون من قريب أن تتحقق التوبة في زمان قريب من وقت وقوع المعصية عرفا كزمان الفراغ من إتيان المعصية أو ما يعد عرفا متصلا به لا أن يمتد إلى حين حضور الموت كما ذكر.

وهو فاسد لإفساده معنى الآية التالية فإن الآيتين في مقام بيان ضابط كلي لتوبة الله سبحانه أي لقبول توبة العبد على ما يدل عليه الحصر الوارد في قوله: إنما التوبة على الله للذين إلخ والآية الثانية تبين الموارد التي لا تقبل فيها التوبة ، ولم يذكر في الآية إلا موردان هما التوبة للمسيء المتسامح في التوبة إلى حين حضور الموت ، والتوبة للكافر بعد الموت ، ولو كان المقبول من التوبة هو ما يعد عرفا قريبا متصلا بزمان المعصية لكان للتوبة غير المقبولة مصاديق أخر لم تذكر في الآية.

قوله تعالى:"فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما"الآيتان باسم الإشارة الموضوع للبعيد لا يخلو من إشارة إلى ترفيع قدرهم وتعظيم أمرهم كما يدل قوله: يعملون السوء بجهالة على المساهلة في إحصاء معاصيهم على خلاف ما في الآية الثانية: وليست التوبة للذين يعملون السيئات إلخ.

وقد اختير لختم الكلام قوله: وكان الله عليما حكيما دون أن يقال: وكان الله غفورا رحيما للدلالة على أن فتح باب التوبة إنما هو لعلمه تعالى بحال العباد وما يؤديهم إليه ضعفهم وجهالتهم ، ولحكمته المقتضية لوضع ما يحتاج إليه إتقان النظام وإصلاح الأمور وهو تعالى لعلمه وحكمته لا يغره ظواهر الأحوال بل يختبر القلوب ، ولا يستزله مكر ولا خديعة فعلى التائب من العباد أن يتوب حق التوبة حتى يجيبه الله حق الإجابة.

قوله تعالى:"و ليست التوبة للذين يعملون السيئات"إلخ في عدم إعادة قوله: على الله مع كونه مقصودا ما لا يخفى من التلويح إلى انقطاع الرحمة الخاصة والعناية الإلهية عنهم كما أن إيراد السيئات بلفظ الجمع يدل على العناية بإحصاء سيئاتهم وحفظها عليهم كما تقدمت الإشارة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت