فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 4314

و الآية تنهى عن التضييق عليهن بشيء من وجوه التضييق ليضطررن إلى بذل شيء من الصداق لفك عقدة النكاح والتخلص من ضيق العيشة فالتضييق بهذا القصد محرم على الزوج إلا أن يأتي الزوجة بفاحشة مبينة فله حينئذ أن يعضلها ويضيق عليها لتفارقه بالبذل ، والآية لا تنافي الآية الأخرى في باب البذل: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به:"البقرة: 229"وإنما هو التخصيص.

تخصص هذه الآية آية البقرة بصورة إتيان الفاحشة ، وأما البذل الذي في آية البقرة فإنما هو واقع على تراض منهما فلا تخصص بها هذه الآية.

قوله تعالى:"و عاشروهن بالمعروف"إلى آخر الآية المعروف هو الأمر الذي يعرفه الناس في مجتمعهم من غير أن ينكروه ويجهلوه ، وحيث قيد به الأمر بالمعاشرة كان المعنى الأمر بمعاشرتهن المعاشرة المعروفة بين هؤلاء المأمورين.

والمعاشرة التي يعرفها الرجال ويتعارفونها بينهم أن الواحد منهم جزء مقوم للمجتمع يساوي سائر الأجزاء في تكوينه المجتمع الإنساني لغرض التعاون والتعاضد العمومي النوعي فيتوجه على كل منهم من التكليف أن يسعى بما في وسعه من السعي فيما يحتاج إليه المجتمع فيقتني ما ينتفع به فيعطي ما يستغني عنه ويأخذ ما يحتاج إليه فلو عومل واحد من أجزاء المجتمع غير هذه المعاملة وليس إلا أن يضطهد بإبطال استقلاله في الجزئية فيؤخذ تابعا ينتفع به ولا ينتفع هو بشيء يحاذيه ، وهذا هو الاستثناء.

وقد بين الله تعالى في كتابه إن الناس جميعا - رجالا ونساء - فروع أصل واحد إنساني ، وأجزاء وأبعاض لطبيعة واحدة بشرية ، والمجتمع في تكونه محتاج إلى هؤلاء كما هو محتاج إلى أولئك على حد سواء كما قال تعالى: بعضكم من بعض: النساء: 25"."

ولا ينافي ذلك اختصاص كل من الطائفتين بخصلة تختص به كاختصاص الرجال بالشدة والقوة نوعا ، واختصاص النساء بالرقة والعاطفة طبعا فإن الطبيعة الإنسانية في حياتها التكوينية والاجتماعية جميعا تحتاج إلى بروز الشدة وظهور القوة كما تحتاج إلى سريان المودة والرحمة ، والخصلتان جميعا مظهرا الجذب والدفع العامين في المجتمع الإنساني.

فالطائفتان متعادلتان وزنا وأثرا كما أن أفراد طائفة الرجال متساوية في الوزن والتأثير في هذه البنية المكونة مع اختلافهم في شئونهم الطبيعية والاجتماعية من قوة وضعف ، وعلم وجهل ، وكياسة وبلادة ، وصغر وكبر ، ورئاسة ومرءوسية ، ومخدومية وخادمية ، وشرف وخسة وغير ذلك.

فهذا هو الحكم الذي ينبعث من ذوق المجتمع المتوسط الجاري على سنة الفطرة من غير انحراف ، وقد قوم الإسلام أود الاجتماع الإنساني وأقام عوجه فلا مناص من أن يجري فيه حكم التسوية في المعاشرة وهو الذي نعبر عنه بالحرية الاجتماعية ، وحرية النساء كالرجال ، وحقيقتها أن الإنسان بما هو إنسان ذو فكر وإرادة له أن يختار ما ينفعه على ما يضره مستقلا في اختياره ثم إذا ورد المجتمع كان له أن يختار ما يختار - ما لم يزاحم سعادة المجتمع الإنساني - مستقلا في ذلك من غير أن يمنع عنه أو يتبع غيره من غير اختيار.

وهذا كما عرفت لا ينافي اختصاص بعض الطبقات أو بعض الأفراد من طبقة واحدة بمزايا أو محروميته عن مزايا كاختصاص الرجال في الإسلام بالقضاء والحكومة والجهاد ووجوب نفقتهن على الرجال وغير ذلك ، وكحرمان الصبيان غير البالغين عن نفوذ الإقرار والمعاملات وعدم توجه التكاليف إليهم ونحو ذلك فجميع ذلك خصوصيات أحكام تعرض الطبقات وأشخاص المجتمع من حيث اختلاف أوزانهم في المجتمع بعد اشتراكهم جميعا في أصل الوزن الإنساني الاجتماعي الذي ملاكه أن الجميع إنسان ذو فكر وإرادة.

ولا تختص هذه المختصات بشريعة الإسلام المقدسة بل توجد في جميع القوانين المدنية بل في جميع السنن الإنسانية حتى الهمجية قليلا أو كثيرا على اختلافها ، والكلمة الجامعة لجميع هذه المعاني هي قوله تعالى: وعاشروهن بالمعروف على ما تبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت