فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 4314

و ربما يقال: إن الاستثناء متصل وقوله: بالباطل قيد توضيحي جيء به لبيان حال المستثنى منه بعد خروج المستثنى وتعلق النهي ، والتقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فإنكم إن أكلتموها من غير طريق التجارة كان أكلا بالباطل منهيا عنه كقولك: لا تضرب اليتيم ظلما إلا تأديبا ، وهذا النحو من الاستعمال وإن كان جائزا معروفا عند أهل اللسان إلا أنك قد عرفت أن الأوفق لسياق الآية هو انقطاع الاستثناء.

وربما قيل: إن المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله ، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه.

وربما قيل: إن الآية كانت تنهى عن مطلق أكل مال الغير بغير عوض ، وأنه كان الرجل منهم يتحرج عن أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية حتى نسخ ذلك بقوله في سورة النور: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم - إلى قوله - أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا:"النور: 61"وقد عرفت أن الآية بمعزل عن الدلالة على أمثال هذه المعاني.

ومن غريب التفسير ما رام به بعضهم توجيه اتصال الاستثناء مع أخذ قوله: بالباطل قيدا احترازيا فقال ما حاصله: أن المراد بالباطل أكل المال بغير عوض يعادله فالجملة المستثنى منها تدل على تحريم أخذ المال من الغير بالباطل ومن غير عوض ثم استثنى من ذلك التجارة مع كون غالب مصاديقها غير خالية عن الباطل فإن تقدير العوض بالقسطاس المستقيم بحيث يعادل المعوض عنه في القيمة حقيقة متعسر جدا لو لم يكن متعذرا.

فالمراد بالاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر ، وما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرا إلى غير ذلك من الأسباب.

وكل ذلك من باطل التجارة أباحته الشريعة مسامحة وتسهيلا لأهلها ، ولو لم يجز ذلك في الدين بالاستثناء لما رغب أحد من أهله في التجارة واختل نظام المجتمع الديني.

انتهى ملخصا.

وفساده ظاهر مما قدمناه فإن الباطل على ما يعرفه أهل اللغة ما لا يترتب عليه أثره المطلوب منه ، وأثر البيع والتجارة تبدل المالين وتغير محل الملكين لرفع حاجة كل واحد من البيعين إلى مال الآخر بأن يحصل كل منهما على ما يرغب فيه وينال إربه بالمعادلة ، وذلك كما يحصل بالتعادل في القيمتين كذلك يحصل بمقابلة القليل الكثير إذا انضم إلى القليل شيء من رغبة الطالب أو رهبته أو مصلحة أخرى يعادل بانضمامها الكثير ، والكاشف عن جميع ذلك وقوع الرضا من الطرفين ، ومع وقوع التراضي لا تعد المبادلة باطلة البتة.

على أن المستأنس بأسلوب القرآن الكريم في بياناته لا يرتاب في أن من المحال أن يعد القرآن أمرا من الأمور باطلا ثم يأمر به ويهدي إليه وقد قال تعالى في وصفه: يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم: - الأحقاف: 30 ، وكيف يهدي إلى الحق ما يهدي إلى الباطل؟.

على أن لازم هذا التوجيه أن يهتدي الإنسان اهتداء حقا فطريا إلى حاجته إلى المبادلة في الأموال ثم يهتدي اهتداء حقا فطريا إلى المبادلة بالموازنة ثم لا يكون ما يهتدي إليه وافيا لرفع حاجته حقا حتى ينضم إليه شيء من الباطل وكيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى أمر لا يكفي في رفع حاجتها ، ولا يفي إلا ببعض شأنها؟ وكيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى باطل وهل الفارق بين الحق والباطل في الأعمال إلا اهتداء الفطرة وعدم اهتدائها؟ فلا مفر لمن يجعل الاستثناء متصلا من أن يجعل قوله: بالباطل قيدا توضيحيا.

وأعجب من هذا التوجيه ما نقل عن بعضهم أن النكتة في هذا الاستثناء المنقطع هي الإشارة إلى أن جميع ما في الدنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل لأنه لا ثبات له ولا بقاء فينبغي أن لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدار الآخرة التي هي خير وأبقى انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت