قوله تعالى:"و لكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون"الآية ، الموالي جمع مولى ، وهو الولي وإن كثر استعماله في بعض المصاديق من الولاية كالمولى لسيد العبد لولايته عليه ، والمولى للناصر لولايته على أمر المنصور ، والمولى لابن العم لولايته على نكاح بنت عمه ، ولا يبعد أن يكون في الأصل مصدرا ميميا أو اسم مكان أريد به الشخص المتلبس به بوجه كما نطلق اليوم الحكومة والمحكمة ونريد بهما الحاكم.
والعقد مقابل الحل ، واليمين مقابل اليسار ، واليمين اليد اليمنى ، واليمين الحلف وله غير ذلك من المعاني.
ووقوع الآية مع قوله قبل: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ، في سياق واحد ، واشتمالها على التوصية بإعطاء كل ذي نصيب نصيبه ، وأن الله جعل لكل موالي مما ترك الوالدان والأقربون يؤيد أن تكون الآية أعني قوله: ولكل جعلنا إلخ بضميمة الآية السابقة تلخيصا للأحكام والأوامر التي في آيات الإرث ، ووصية إجمالية لما فيها من الشرائع التفصيلية كما كان قوله قبل آيات الإرث: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية تشريعا إجماليا كضرب القاعدة في باب الإرث تعود إليه تفاصيل أحكام الإرث.
ولازم ذلك أن ينطبق من أجمل ذكره من الوراث والمورثين على من ذكر منهم تفصيلا في آيات الإرث ، فالمراد بالموالي جميع من ذكر وارثا فيها من الأولاد والأبوين والإخوة والأخوات وغيرهم.
والمراد بالأصناف الثلاث المذكورين في الآية بقوله: الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم الأصناف المذكورة في آيات الإرث ، وهم ثلاثة: الوالدان والأقربون والزوجان فينطبق قوله: الذين عقدت أيمانكم على الزوج والزوجة.
فقوله:"و لكل"أي ولكل واحد منكم ذكرا أو أنثى ، جعلنا موالي أي أولياء في الوراثة يرثون ما تركتم من المال ، وقوله مما ترك ، من فيه للابتداء متعلق بالموالي كأن الولاية نشأت من المال ، أو متعلق بمحذوف أي يرثون أو يؤتون مما ترك ، وما ترك هو المال الذي تركه الميت المورث الذي هو الوالدان والأقربون نسبا والزوج والزوجة.
وإطلاق"الذين عقدت أيمانكم"على الزوج والزوجة إطلاق كنائي فقد كان دأبهم في المعاقدات والمعاهدات أن يصافحوا فكأن أيمانهم التي يصافحون بها هي التي عقدت العقود ، وأبرمت العهود فالمراد: الذين أوجدتم بالعقد سببية الازدواج بينكم وبينهم.
وقوله:"فأتوهم نصيبهم"الضمير للموالي ، والمراد بالنصيب ما بين في آيات الإرث ، والفاء للتفريع ، والجملة متفرعة على قوله تعالى: ولكل جعلنا موالي ، ثم أكد حكمه بإيتاء نصيبهم بقوله: إن الله كان على كل شيء شهيدا.
وهذا الذي ذكرناه من معنى الآية أقرب المعاني التي ذكروها في تفسيرها ، وربما ذكروا أن المراد بالموالي العصبة دون الورثة الذين هم أولى بالميراث ، ولا دليل عليه من جهة اللفظ بخلاف الورثة.
وربما قيل: إن"من"في قوله مما ترك الوالدان والأقربون ، بيانية والمراد بما الورثة الأولياء ، والمعنى: ولكل منكم جعلنا أولياء ، يرثونه وهم الذين تركهم وخلفهم الوالدان والأقربون.
وربما قيل: إن المراد ب الذين عقدت أيمانكم الحلفاء ، فقد كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك ، وحربي حربك ، وسلمي سلمك ، وترثني وأرثك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من مال الحليف.
وعلى هذا فالجملة مقطوعة عما قبلها ، والمعنى: والحلفاء آتوهم سدسهم ، ثم نسخ ذلك بقوله: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض.
وقيل: إن المراد: آتوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد ، ولا ميراث ، وعلى هذه فلا نسخ في الآية.
وربما قيل: إن المراد بهم الذين آخا بينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة ، وكانوا يتوارثون بذلك بينهم ثم نسخ ذلك بآية الميراث.
وربما قيل: أريد بهم الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية فأمروا في الإسلام أن يوصوا لهم بوصية ، وذلك قوله تعالى: فأتوهم نصيبهم.
وهذه معان لا يساعدها سياق الآية ولا لفظها على ما لا يخفى للباحث المتأمل ، ولذلك أضربنا عن الإطناب في البحث عما يرد عليها.
قوله تعالى:"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم"القيم هو الذي يقوم بأمر غيره ، والقوام والقيام مبالغة منه.