و ثانيهما: أن ما ذكره بعض باحثينا ، واتبعوا في ذلك ما ذكره المغاربة أن من الفضائل الإنسانية الاعتماد بالنفس أمر لا يعرفه الدين ، ولا يوافق مذاق القرآن ، والذي يراه القرآن في ذلك هو الاعتماد بالله والتعزز بالله قال تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل:"آل عمران: 173"، وقال: إن القوة لله جميعا:"البقرة: 165"، وقال: إن العزة لله جميعا:"يونس: 65"، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى:"انظر كيف يفترون على الله الكذب"، إلخ فتزكيتهم أنفسهم ببنوة الله وحبه وولايته ونحو ذلك افتراء على الله إذ لم يجعل الله لهم ذلك ، على أن أصل التزكية افتراء وإن كانت عن صدق فإنه - كما تقدم بيانه - إسناد شريك إلى الله وليس له في ملكه شريك قال تعالى: ولم يكن له شريك في الملك:"الإسراء: 111".
وقوله: وكفى به إثما مبينا أي لو لم يكن في التزكية إلا أنه افتراء على الله لكفى في كونه إثما مبينا ، والتعبير بالإثم وهو الفعل المذموم الذي يمنع الإنسان من نيل الخيرات ويبطئها - هو المناسب لهذه المعصية لكونه من إشراك الشرك وفروعه ، يمنع نزول الرحمة ، وكذا في شرك الكفر الذي يمنع المغفرة كما وقع في الآية السابقة: ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما بعد قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به.
قوله تعالى:"أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت"، الجبت والجبس كل ما لا خير فيه ، وقيل: وكل ما يعبد من دون الله سبحانه ، والطاغوت مصدر في الأصل كالطغيان يستعمل كثيرا بمعنى الفاعل ، وقيل: هو كل معبود من دون الله ، والآية تكشف عن وقوع واقعة قضى فيها بعض أهل الكتاب للذين كفروا على الذين آمنوا بأن سبيل المشركين أهدى من سبيل المؤمنين ، وليس عند المؤمنين إلا دين التوحيد المنزل في القرآن المصدق لما عندهم ، ولا عند المشركين إلا الإيمان بالجبت والطاغوت فهذا القضاء اعتراف منهم بأن للمشركين نصيبا من الحق ، وهو الإيمان بالجبت والطاغوت الذي نسبه الله تعالى إليهم ثم لعنهم الله بقوله: أولئك الذين لعنهم الله الآية.
وهذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول أن مشركي مكة طلبوا من أهل الكتاب أن يحكموا بينهم وبين المؤمنين فيما ينتحلونه من الدين فقضوا لهم على المؤمنين ، وسيأتي الرواية في ذلك في البحث الروائي الآتي.
وقد ذكر كونهم ذوي نصيب من الكتاب ليكون أوقع في وقوع الذم واللوم عليهم فإن إيمان علماء الكتاب بالجبت والطاغوت وقد بين لهم الكتاب أمرهما أشنع وأفظع.
قوله تعالى:"أم لهم نصيب من الملك"إلى قوله:"نقيرا"النقير فعيل بمعنى المفعول وهو المقدار اليسير الذي يأخذه الطير من الأرض بنقر منقاره ، وقد مر له معنى آخر في قوله: ولا يظلمون فتيلا الآية.
وقد ذكروا أن"أم"في قوله: أم لهم نصيب من الملك ، منقطعة والمعنى: بل أ لهم نصيب من الملك ، والاستفهام إنكاري أي ليس لهم ذلك.
وقد جوز بعضهم أن تكون"أم"متصلة ، وقال: إن التقدير: أ هم أولى بالنبوة أم لهم نصيب من الملك؟ ورد بأن حذف الهمزة إنما يجوز في ضرورة الشعر ، ولا ضرورة في القرآن ، والظاهر أن أم متصلة وأن الشق المحذوف ما يدل عليه الآية السابقة: أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الآية ، والتقدير: أ لهم كل ما حكموا به من حكم أم لهم نصيب من الملك أم يحسدون الناس؟ وعلى هذا تستقيم الشقوق وتترتب ، ويتصل الكلام في سوقه.
والمراد بالملك هو السلطنة على الأمور المادية والمعنوية فيشمل ملك النبوة والولاية والهداية وملك الرقاب والثروة ، وذلك أنه هو الظاهر من سياق الجمل السابقة واللاحقة فإن الآية السابقة تومىء إلى دعواهم أنهم يملكون القضاء والحكم على المؤمنين ، وهو مسانخ للملك على الفضائل المعنوية وذيل الآية:"فإذا لا يؤتون الناس نقيرا"يدل على ملك الماديات أو ما يشمل ذلك فالمراد به الأعم من ملك الماديات والمعنويات.