فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 4314

و فيه: أن ذلك مستند إلى نفس الأمة في سوء فعالها وخيانتها على نفسها لا إلى الله ورسوله فالتكليف غير مرتفع كما لو قتلت الأمة نبيها ثم اعتذرت أنها لا تقدر على طاعته ، على أن الإشكال مقلوب عليه فإنا لا نقدر اليوم على أمة واحدة في الإسلام ينفذ فيها ما استصوبته لها أهل الحل والعقد منها.

ورابعا: أن الله تعالى يقول:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، ولو كان المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام.

وفيه: أن جوابه تقدم فيما مر من البيان ، والمراد بالرد الرد إلى الإمام بالتقريب الذي تقدم.

وخامسا: أن القائلين بالإمام المعصوم يقولون: إن فائدة اتباعه إنقاذ الأمة من ظلمة الخلاف ، وضرر التنازع والتفرق وظاهر الآية يبين حكم التنازع مع وجود أولي الأمر ، وطاعة الأمة لهم كأن يختلف أولو الأمر في حكم بعض النوازل والوقائع ، والخلاف والتنازع مع وجود الإمام المعصوم غير جائز عند القائلين به لأنه عندهم مثل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يكون لهذا الزيادة فائدة على رأيهم.

وفيه: أن جوابه ظاهر مما تقدم أيضا فإن التنازع المذكور في الآية إنما هو تنازع المؤمنين في أحكام الكتاب والسنة دون أحكام الولاية الصادرة عن الإمام في الوقائع والحوادث ، وقد تقدم أن لا حكم إلا لله ورسوله فإن تمكن المتنازعون من فهم الحكم من الكتاب والسنة كان لهم أن يستنبطوه منهما ، أو يسألوا الإمام عنه وهو معصوم في فهمه ، وإن لم يتمكنوا من ذلك كان عليهم أن يسألوا عنه الإمام ، وذلك نظير ما كان لمن يعاصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يتفقهون فيما يتمكنون منه أو يسألون عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويسألونه فيما لا يتمكنون من فهمه بالاستنباط.

فحكم أولي الأمر في الطاعة حكم الرسول على ما يدل عليه الآية ، وحكم التنازع هو الذي ذكره في الآية سواء في ذلك حضور الرسول كما يدل عليه الآيات التالية ، وغيبته كما يدل عليه الأمر في الآية بإطلاقه ، فالرد إلى الله والرسول المذكور في الآية مختص بصورة تنازع المؤمنين كما يدل عليه قوله: تنازعتم ، ولم يقل: فإن تنازع أولو الأمر ، ولا قال: فإن تنازعوا ، والرد إلى الله والرسول عند حضور الرسول هو سؤال الرسول عن حكم المسألة أو استنباطه من الكتاب والسنة للمتمكن منه ، وعند غيبته أن يسأل الإمام عنه أو الاستنباط كما تقدم بيانه ، فلا يكون قوله: فإن تنازعتم في شيء"إلخ"زائدا من الكلام مستغنى عنه كما ادعاه المستشكل.

فقد تبين من جميع ما تقدم: أن المراد بأولي الأمر في الآية رجال من الأمة حكم الواحد منهم في العصمة وافتراض الطاعة حكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا مع ذلك لا ينافي عموم مفهوم لفظ أولي الأمر بحسب اللغة ، وإرادته من اللفظ فإن قصد مفهوم من المفاهيم من اللفظ شيء وإرادة المصداق الذي ينطبق عليه المفهوم شيء آخر ، وذلك كما أن مفهوم الرسول معنى عام كلي وهو المراد من اللفظ في الآية لكن المصداق المقصود هو الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"إلى آخر الآية تفريع على الحصر المستفاد من المورد فإن قوله: أطيعوا الله"إلخ"حيث أوجب طاعة الله ورسوله ، وهذه الطاعة إنما هي في المواد الدينية التي تتكفل رفع كل اختلاف مفروض ، وكل حاجة ممكنة لم يبق مورد تمس الحاجة الرجوع إلى غير الله ورسوله ، وكان معنى الكلام: أطيعوا الله ، ولا تطيعوا الطاغوت ، وهو ما ذكرناه من الحصر.

وتوجه الخطاب إلى المؤمنين كاشف عن أن المراد بالتنازع هو تنازعهم بينهم لا تنازع مفروض بينهم وبين أولي الأمر ، ولا تنازع مفروض بين أولي الأمر فإن الأول أعني التنازع بينهم وبين أولي الأمر لا يلائم افتراض طاعة أولي الأمر عليهم ، وكذا الثاني أعني التنازع بين أولي الأمر فإن افتراض الطاعة لا يلائم التنازع الذي أحد طرفيه على الباطل ، على أنه لا يناسب كون الخطاب متوجها إلى المؤمنين في قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت