فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 4314

قوله تعالى:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم"الآية الفئة الطائفة ، والإركاس الرد.

والآية بما لها من المضمون كأنها متفرعة على ما تقدم من التوطئة والتمهيد أعني قوله"من يشفع شفاعة"الآية ، والمعنى: فإذا كانت الشفاعة السيئة تعطي لصاحبها كفلا من مساءتها فما لكم أيها المؤمنون تفرقتم في أمر المنافقين فئتين ، وتحزبتهم حزبين: فئة ترى قتالهم ، وفئة تشفع لهم وتحرض على ترك قتالهم ، والإغماض عن شجرة الفساد التي تنمو بنمائهم ، وتثمر برشدهم ، والله ردهم إلى الضلال بعد خروجهم منه جزاء بما كسبوا من سيئات الأعمال ، أ تريدون بشفاعتكم أن تهدوا هؤلاء الذين أضلهم الله؟ ومن يضلل الله فما له من سبيل إلى الهدى.

وفي قوله"و من يضلل الله فلن تجد له سبيلا"التفات من خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إشارة إلى أن من يشفع لهم من المؤمنين لا يتفهم حقيقة هذا الكلام حق التفهم ، ولو فقهه لم يشفع في حقهم فأعرض عن مخاطبتهم به وألقى إلى من هو بين واضح عنده وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء"إلخ هو بمنزلة البيان لقوله"و الله أركسهم بما كسبوا أ تريدون أن تهدوا من أضل الله"، والمعنى: أنهم كفروا وزادوا عليه أنهم ودوا وأحبوا أن تكفروا مثلهم فتستووا.

ثم نهاهم عن ولايتهم إلا أن يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فليس عليكم فيهم إلا أخذهم وقتلهم حيث وجدتموهم ، والاجتناب عن ولايتهم ونصرتهم ، وفي قوله"فإن تولوا"، . دلالة على أن على المؤمنين أن يكلفوهم بالمهاجرة فإن أجابوا فليوالوهم ، وإن تولوا فيقتلوهم.

قوله تعالى:"إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم"استثنى الله سبحانه من قوله"فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم"، طائفتين: إحداهما الذين يصلون إلخ أي بينهم وبين بعض أهل الميثاق ما يوصلهم بهم من حلف ونحوه ، والثانية الذين يتحرجون من مقاتلة المسلمين ومقاتلة قومهم لقتلهم أو لعوامل أخر ، فيعتزلون المؤمنين ويلقون إليهم السلم لا للمؤمنين ولا عليهم بوجه ، فهاتان الطائفتان مستثنون من الحكم المذكور ، وقوله"حصرت صدورهم"، أي ضاقت.

قوله تعالى:"ستجدون آخرين"، إخبار بأنه سيواجهكم قوم آخرون ربما شابهوا الطائفة الثانية من الطائفتين المستثناتين حيث إنهم يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم غير أن الله سبحانه يخبر أنهم منافقون غير مأمونين في مواعدتهم وموادعتهم ، ولذا بدل الشرطين المثبتين في حق غيرهم أعني قوله"فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم"بالشرط المنفي أعني قوله"فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم"إلخ وهذا في معنى تنبيه المؤمنين على أن يكونوا على حذر منهم ومعنى الآية ظاهر.

كلام في معنى التحية

الأمم والأقوام على اختلافها في الحضارة والتوحش والتقدم والتأخر لا تخلو في مجتمعاتهم من تحية يتعارفونها عند الملاقاة ملاقاة البعض البعض على أقسامها وأنواعها من الإشارة بالرأس واليد ورفع القلانس وغير ذلك ، وهي مختلفة باختلاف العوامل المختلفة العاملة في مجتمعاتهم.

وأنت إذا تأملت هذه التحيات الدائرة بين الأمم على اختلافها وعلى اختلافهم وجدتها حاكية مشيرة إلى نوع من الخضوع والهوان والتذلل يبديه الداني للعالي ، والوضيع للشريف ، والمطيع لمطاعه ، والعبد لمولاه ، وبالجملة تكشف عن رسم الاستعباد الذي لم يزل رائجا بين الأمم في أعصار الهمجية فما دونها ، وإن اختلفت ألوانه ، ولذلك ما نرى أن هذه التحية تبدأ من المطيع وتنتهي إلى المطاع ، وتشرع من الداني الوضيع وتختتم في العالي الشريف ، فهي من ثمرات الوثنية التي ترتضع من ثدي الاستعباد.

والإسلام - كما تعلم - أكبر همه إمحاء الوثنية وكل رسم من الرسوم ينتهي إليها ، ويتولد ، منها ولذلك أخذ لهذا الشأن طريقة سوية وسنة مقابلة لسنة الوثنية ورسم الاستعباد ، وهو إلقاء السلام الذي هو بنحو أمن المسلم عليه من التعدي عليه ، ودحض حريته الفطرية الإنسانية الموهوبة له فإن أول ما يحتاج إليه الاجتماع التعاوني بين الأفراد هو أن يأمن بعضهم بعضا في نفسه وعرضه وماله ، وكل أمر يئول إلى أحد هذه الثلاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت