فهرس الكتاب

الصفحة 913 من 4314

قوله تعالى:"توبة من الله"إلخ أي هذا الحكم وهو إيجاب الصيام توبة وعطف رحمة من الله لفاقد الرقبة ، وينطبق على التخفيف فالحكم تخفيف من الله في حق غير المستطيع ، ويمكن أن يكون قوله"توبة"قيدا راجعا إلى جميع ما ذكر في الآية من الكفارة أعني قوله"فتحرير رقبة"إلخ والمعنى: أن جعل الكفارة للقاتل خطأ توبة وعناية من الله للقاتل فيما لحقه من درن هذا الفعل قطعا.

وليتحفظ على نفسه في عدم المحاباة في المبادرة إلى القتل نظير قوله تعالى"و لكم في القصاص حياة": البقرة: 179.

وكذا هو توبة من الله للمجتمع وعناية لهم حيث يزيد به في أحرارهم واحد بعد ما فقدوا واحدا ، ويرمم ما ورد على أهل المقتول من الضرر المالي بالدية المسلمة.

ومن هنا يظهر أن الإسلام يرى الحرية حياة والاسترقاق نوعا من القتل ، ويرى المتوسط من منافع وجود الفرد هو الدية الكاملة.

وسنوضح هذا المعنى في ما سيأتي من المباحث.

وأما تشخيص معنى الخطإ والعمد والتحرير والدية وأهل القتيل والميثاق وغيره المذكورات في الآية فعلى السنة.

من أراد الوقوف عليها فليراجع الفقه.

قوله تعالى:"و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم"، التعمد هو القصد إلى الفعل بعنوانه الذي له ، وحيث إن الفعل الاختياري لا يخلو من قصد العنوان وكان من الجائز أن يكون لفعل أكثر من عنوان واحد أمكن أن يكون فعل واحد عمديا من جهة خطائيا من أخرى فالرامي إلى شبح وهو يزعم أنه من الصيد وهو في الواقع إنسان إذا قتله كان متعمدا إلى الصيد خاطئا في قتل الإنسان ، وكذا إذا ضرب إنسانا بالعصا قاصدا تأديبه فقتلته الضربة كان القتل قتل خطإ ، وعلى هذا فمن يقتل مؤمنا متعمدا هو الذي يقصد بفعله قتل المؤمن عن علم بأنه قتل وأن المقتول مؤمن.

وقد أغلظ الله سبحانه وتعالى في وعيد قاتل المؤمن متعمدا بالنار الخالدة غير أنك عرفت في الكلام على قوله تعالى"إن الله لا يغفر أن يشرك به": النساء: 48 أن تلك الآية ، وكذا قوله تعالى"إن الله يغفر الذنوب جميعا": الزمر: 53 تصلحان لتقييد هذه الآية فهذه الآية توعد بالنار الخالدة لكنها ليست بصريحة في الحتم فيمكن العفو بتوبة أو شفاعة.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"الضرب هو السير في الأرض والمسافرة ، وتقييده بسبيل الله يدل على أن المراد به هو الخروج للجهاد ، والتبين هو التمييز والمراد به التمييز بين المؤمن والكافر بقرينة قوله"و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا"والمراد بإلقاء السلام إلقاء التحية تحية أهل الإيمان ، وقرىء:"لمن ألقى إليكم السلم"بفتح اللام وهو الاستسلام.

والمراد بابتغاء عرض الحياة الدنيا طلب المال والغنيمة ، وقوله"فعند الله مغانم كثيرة"جمع مغنم وهو الغنيمة أي ما عند الله من المغانم أفضل من مغنم الدنيا الذي يريدونه لكثرتها وبقائها فهي التي يجب عليكم أن تؤثروها.

قوله تعالى:"كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا"إلخ أي على هذا الوصف.

وهو ابتغاء عرض الحياة الدنيا - كنتم من قبل أن تؤمنوا فمن الله عليكم بالإيمان الصارف لكم عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى ما عند الله من المغانم الكثيرة فإذا كان كذلك فيجب عليكم أن تبينوا ، وفي تكرار الأمر بالتبين تأكيد في الحكم.

والآية مع اشتمالها على العظة ونوع من التوبيخ لا تصرح بكون هذا القتل الذي ظاهرها وقوعه قتل مؤمن متعمدا ، فالظاهر أنه كان قتل خطأ من بعض المؤمنين لبعض من ألقى السلم من المشركين لعدم وثوق القاتل بكونه مؤمنا حقيقة بزعم أنه إنما يظهر الإيمان خوفا على نفسه ، والآية توبخه بأن الإسلام إنما يعتبر بالظاهر ، ويحل أمر القلوب إلى اللطيف الخبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت