فهرس الكتاب

الصفحة 917 من 4314

أما الأول فلأن الكلام في الآية مسوق لبيان فضل الجهاد على القعود ، والفضل إنما هو للجهاد إذا كان في سبيل الله لا في سبيل هوى النفس ، وبالسماحة والجود بأعز الأشياء عند الإنسان وهو المال ، وبما هو أعز منه ، وهو النفس ، ولذلك قيل أولا:"و المجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم"ليتبين بذلك الأمر كل التبين ، ويرتفع به اللبس ، ثم لما قيل:"و فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"، لم تكن حاجة إلى ذكر القيود من هذه الجهة لأن اللبس قد ارتفع بما تقدمه من البيان غير أن الجملة لما قارنت قوله"و كلا وعد الله الحسنى"مست حاجة الكلام إلى بيان سبب الفضل ، وهو إنفاق المال وبذل النفس على حبهما فلذا اكتفي بذكرهما قيدا للمجاهدين فقيل:"المجاهدين بأموالهم وأنفسهم"وأما قوله ثالثا"و فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما"فلم يبق فيه حاجة إلى ذكر القيود أصلا لا جميعها ولا بعضها ولذلك تركت كلا.

وأما الثاني فقوله"فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة""درجة"منصوب على التمييز ، وهو يدل على أن التفضيل من حيث الدرجة والمنزلة من غير أن يعترض أن هذه الدرجة الموجبة للفضيلة واحدة أو أكثر ، وقوله"و فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه"كان لفظة"فضل"فيه مضمنة معنى الإعطاء أو ما يشابهه ، وقوله"درجات منه"بدل أو عطف بيان لقوله"أجرا عظيما"والمعنى: وأعطى الله المجاهدين أجرا عظيما مفضلا إياهم على القاعدين معطيا أو مثيبا لهم أجرا عظيما وهو الدرجات من الله ، فالكلام يبين بأوله أن فضل المجاهدين على القاعدين بالمنزلة من الله مع السكوت عن بيان أن هذه المنزلة واحدة أو كثيرة ، ويبين بآخره أن هذه المنزلة ليست منزلة واحدة بل منازل ودرجات كثيرة ، وهي الأجر العظيم الذي يثاب به المجاهدون.

ولعل ما ذكرنا يدفع به ما استشكلوه من إيهام التناقض في قوله أولا"درجة"وثانيا"درجات منه"، وقد ذكر المفسرون للتخلص من الإشكال وجوها لا يخلو جلها أو كلها من تكلف.

منها: أن المراد بالتفضيل في صدر الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين أولي الضرر بدرجة وفي ذيل الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين غير أولي الضرر بدرجات.

ومنها: أن المراد بالدرجة في صدر الآية المنزلة الدنيوية كالغنيمة وحسن الذكر ونحوهما وبالدرجات في آخر الآية المنازل الأخروية وهي أكثر بالنسبة إلى الدنيا ، قال تعالى.

"و للآخرة أكبر درجات": إسراء - 21.

ومنها: أن المراد بالدرجة في صدر الآية المنزلة عند الله ، وهي أمر معنوي ، وبالدرجات في ذيل الآية منازل الجنة ودرجاتها الرفيعة وهي حسية ، وأنت خبير بأن هذه الأقوال لا دليل عليها من جهة اللفظ.

والضمير في قوله"منه"لعله راجع إلى الله سبحانه ، ويؤيده"قوله ومغفرة ورحمة"بناء على كونه بيانا للدرجات ، والمغفرة والرحمة من الله ، ويمكن رجوع الضمير إلى الأجر المذكور قبلا.

وقوله"و مغفرة ورحمة"ظاهره كونه بيانا للدرجات فإن الدرجات وهي المنازل من الله سبحانه أيا ما كانت فهي مصداق المغفرة والرحمة ، وقد علمت في بعض المباحث السابقة أن الرحمة - وهي الإفاضة الإلهية للنعمة - تتوقف على إزالة الحاجب ورفع المانع من التلبس بها ، وهي المغفرة ، ولازمه أن كل مرتبة من مراتب النعم ، وكل درجة ومنزلة رفيعة مغفرة بالنسبة إلى المرتبة التي بعدها ، والدرجة التي فوقها ، فصح بذلك أن الدرجات الأخروية كائنة ما كانت مغفرة ورحمة من الله سبحانه ، وغالب ما تذكر الرحمة وما يشابهها في القرآن تذكر معها المغفرة كقوله"مغفرة وأجر عظيم": المائدة: 9 وقوله"و مغفرة ورزق كريم": الأنفال: 4 ، وقوله"مغفرة وأجر كبير": هود: 11 ، وقوله"و مغفرة من الله ورضوان": الحديد: 20 ، وقوله"و اغفر لنا وارحمنا": البقرة: 286 إلى غير ذلك من الآيات.

ثم ختم الآية بقوله:"و كان الله غفورا رحيما"ومناسبة الاسمين مع مضمون الآية ظاهرة لا سيما بعد قوله في ذيلها"و مغفرة ورحمة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت