و المعنى - والله أعلم -: وإذا كنت أنت يا رسول الله فيهم والحال حال الخوف فأقمت لهم الصلاة أي صليتهم جماعة فأممتهم فيها ، فلا يدخلوا في الصلاة جميعا بل لتقم طائفة منهم معك بالاقتداء بك وليأخذوا معهم أسلحتهم ، ومن المعلوم أن الطائفة الأخرى يحرسونهم وأمتعتهم فإذا سجد المصلون معك وفرغوا من الصلاة فليكونوا وراءكم يحرسونكم والأمتعة ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ، وليأخذ هؤلاء المصلون أيضا كالطائفة الأولى المصلية حذرهم وأسلحتهم.
وتوصيف الطائفة بالأخرى ، وإرجاع ضمير الجمع المذكر إليها رعاية تارة لجانب اللفظ وأخرى لجانب المعنى ، كما قيل.
وفي قوله تعالى"و ليأخذوا حذرهم وأسلحتهم"نوع من الاستعارة لطيف ، وهو جعل الحذر آلة للدفاع نظير السلاح حيث نسب إليه الأخذ الذي نسب إلى الأسلحة ، كما قيل.
قوله تعالى:"ود الذين كفروا لو تغفلون - إلى قوله - واحدة"في مقام التعليل للحكم المشرع ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"و لا جناح عليكم"إلى آخر الآية.
تخفيف آخر وهو أنهم إن كانوا يتأذون من مطر ينزل عليهم أو كان بعضهم مرضى فلا مانع من أن يضعوا أسلحتهم لكن يجب عليهم مع ذلك أن يأخذوا حذرهم ، ولا يغفلوا عن الذين كفروا فهم مهتمون بهم.
قوله تعالى:"فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم"والقيام والقعود جمعان أو مصدران ، وهما حالان وكذا قوله"على جنوبكم"وهو كناية عن الذكر المستمر المستوعب لجميع الأحوال.
قوله تعالى:"فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة"إلخ المراد بالاطمينان الاستقرار ، وحيث قوبل به قوله"و إذا ضربتم في الأرض"، على ما يؤيده السياق كان الظاهر أن المراد به الرجوع إلى الأوطان ، وعلى هذا فالمراد بإقامة الصلاة إتمامها فإن التعبير عن صلاة الخوف بالقصر من الصلاة يلوح إلى ذلك.
قوله تعالى:"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"الكتابة كناية عن الفرض والإيجاب كقوله تعالى"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم: البقرة: 183 والموقوت من وقت كذا أي جعلت له وقتا فظاهر اللفظ أن الصلاة فريضة موقتة منجمة تؤدي في أوقاتها ونجومها."
والظاهر أن الوقت في الصلاة كناية عن الثبات وعدم التغير بإطلاق الملزوم على لازمه فالمراد بكونها كتابا موقوتا أنها مفروضة ثابتة غير متغيرة أصلا فالصلاة لا تسقط بحال ، وذلك أن إبقاء لفظ الموقوت على بادىء ظهوره لا يلائم ما سبقه من المضمون إذ لا حاجة تمس إلى التعرض لكون الصلاة عبادة ذات أوقات معينة مع أن قوله"إن الصلاة"، في مقام التعليل لقوله"فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة"فالظاهر أن المراد بكونها موقوتة كونها ثابتة لا تسقط بحال ، ولا تتغير ولا تتبدل إلى شيء آخر كالصوم إلى الفدية مثلا.
قوله تعالى:"و لا تهنوا في ابتغاء القوم"، الوهن الضعف ، والابتغاء الطلب ، والألم مقابل اللذة ، وقوله"و ترجون من الله ما لا يرجون"حال من ضمير الجمع الغائب ، والمعنى: أن حال الفريقين في أن كلا منهما يألم واحد ، فلستم أسوأ حالا من أعدائكم ، بل أنتم أرفه منهم وأسعد حيث إن لكم رجاء الفتح والظفر والمغفرة من ربكم الذي هو وليكم ، وأما أعداؤكم فلا مولى لهم ولا رجاء لهم من جانب يطيب نفوسهم ، وينشطهم في عملهم.
ويسوقهم إلى مبتغاهم ، وكان الله عليما بالمصالح ، حكيما متقنا في أمره ونهيه.