فهرس الكتاب

الصفحة 931 من 4314

و الظاهر أن هذه القصة هي التي يشير إليها قوله تعالى"و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا"حيث يدل على أنه كان هناك شيء من المعاصي التي تقبل الرمي كسرقة أو قتل أو إتلاف أو إضرار ونحوها ، وأنه كان من المتوقع أن يهتموا بإضلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حكمه والله عاصمه.

والظاهر أن هذه القصة أيضا هي التي تشير إليها الآيات الأول كما في قوله تعالى"و لا تكن للخائنين خصيما"الآية وقوله"يستخفون من الناس"الآية وقوله"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم"إلخ فإن الخيانة وإن كان ظاهرها ما يكون في الودائع والأمانات لكن سياق قوله"إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس"كما سيجيء بيانه يعطي أن المراد بها ما يتحقق في سرقة ونحوها بعناية أن المؤمنين كنفس واحدة ، وما لبعضهم من المال مسئول عنه البعض الآخر من حيث رعاية احترامه ، والاهتمام بحفظه وحمايته ، فتعدى بعضهم إلى مال البعض خيانة منهم لأنفسهم.

فالتدبر يقرب أن القصة كأنها سرقة وقعت من بعضهم ثم رفع الأمر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرمى بها السارق غيره ممن هو بريء منها ، ثم ألح قوم السارق عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي لهم ، وبالغوا في أن يغيروه (صلى الله عليه وآله وسلم) على المتهم البريء فأنزلت الآيات وبرأه الله مما قالوا.

فالآيات أشد انطباقا على ما روي في سبب النزول من قصة سرقة أبي طعمة بن الأبيرق ، وإن كانت أسباب النزول - كما سمعت مرارا - في أغلب ما رويت من قبيل تطبيق القصص المأثورة على ما يناسبها من الآيات القرآنية.

ويستفاد من الآيات حجية قضائه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعصمته وحقائق أخر سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"ظاهر الحكم بين الناس هو القضاء بينهم في مخاصماتهم ومنازعاتهم مما يرجع إلى الأمور القضائية ورفع الاختلافات بالحكم ، وقد جعل الله تعالى الحكم بين الناس غاية لإنزال الكتاب فينطبق مضمون الآية على ما يتضمنه قوله تعالى"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": الآية البقرة: 213 وقد مر تفصيل القول فيه.

فهذه الآية إنا أنزلنا إليك الكتاب إلخ في خصوص موردها نظيرة تلك الآية كان الناس أمة واحدة ، في عمومها ، وتزيد عليها في أنها تدل على جعل حق الحكم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والحجية لرأيه ونظره فإن الحكم وهو القطع في القضاء وفصل الخصومة لا ينفك عن إعمال نظر من القاضي الحاكم وإظهار عقيدة منه مضافا إلى ما عنده من العلم بالأحكام العامة والقوانين الكلية في موارد الخصومة فإن العلم بكليات الأحكام وحقوق الناس أمر ، والقطع والحكم بانطباق مورد النزاع على بعضها دون بعض أمر آخر.

فالمراد بالإراءة في قوله"لتحكم بين الناس بما أراك الله"إيجاد الرأي وتعريف الحكم لا تعليم الأحكام والشرائع كما احتمله بعضهم.

ومضمون الآية على ما يعطيه السياق أن الله أنزل إليك الكتاب وعلمك أحكامه وشرائعه وحكمه لتضيف إليها ما أوجد لك من الرأي وعرفك من الحكم فتحكم بين الناس ، وترفع بذلك اختلافاتهم.

قوله تعالى:"و لا تكن للخائنين خصيما"عطف على ما تقدمه من الجملة الخبرية لكونها في معنى الإنشاء كأنه قيل: فاحكم بينهم ولا تكن للخائنين خصيما.

والخصيم هو الذي يدافع عن الدعوى وما في حكمها ، وفيه نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يكون خصيما للخائنين على من يطالبهم بحقوقه فيدافع عن الخائنين ويبطل حقوق المحقين من أهل الدعوى.

وربما أمكن أن يستفاد من عطف قوله"و لا تكن للخائنين"، على ما تقدمه وهو أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرا مطلقا بالحكم أن المراد بالخيانة مطلق التعدي على حقوق الغير ممن لا ينبغي منه ذلك لا خصوص الخيانة للودائع وإن كان ربما عطف الخاص على العام لعناية ما بشأنه لكن المورد كالخالي عن العناية ، وسيجيء لهذا الكلام تتمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت