فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 4314

و كذا ما ذكره بعضهم أن معنى"ءامنوا"اثبتوا على إيمانكم ، وكذا ما ذكره آخرون أن الخطاب لمؤمني أهل الكتاب أي يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله وهو القرآن.

وهذه المعاني وإن كانت في نفسها صحيحة لكن القرائن الكلامية ناهضة على خلافها ، وأردأ الوجوه آخرها.

قوله تعالى:"و من يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا"لما كان الشطر الأول من الآية أعني قوله"يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا - إلى قوله - من قبل"دعوة إلى الجمع بين جميع ما ذكر فيه بدعوى أن أجزاء هذا المجموع مرتبطة غير مفارق بعضها بعضا كان هذا التفصيل ثانيا في معنى الترديد والمعنى: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أي من يكفر بشيء من أجزاء الإيمان فقد ضل ضلالا بعيدا.

وليس المراد بالعطف بالواو الجمع في الحكم ليتم الجميع موضوعا واحدا له حكم واحد بمعنى أن الكفر بالمجموع من حيث إنه مجموع ضلال بعيد دون الكفر بالبعض دون البعض.

على أن الآيات القرآنية ناطقة بكفر من كفر بكل واحد مما ذكر في الآية على وجه التفصيل.

قوله تعالى:"إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا"الآية لو أخذت وحدها منقطعة عما قبلها وما بعدها كانت دالة على ما يجازي به الله تعالى أهل الردة إذا تكررت منهم الردة بأن آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا فالله سبحانه يوعدهم - وحالهم هذا الحال - بأنه لا يغفر لهم ، ولا يهديهم سبيلا ، وليس من المرجو منه المتوقع من رحمته ذلك لعدم استقرارهم على إيمان ، وجعلهم أمر الله ملعبة يلعبون بها ، ومن كان هذا حاله لم يثبت بالطبع على إيمان جدي يقبل منه ، وإن كانوا لو آمنوا إيمانا جديا شملتهم المغفرة والهداية فإن التوبة بالإيمان بالله حقيقة مما لا يرده الله في حال على ما وعد الله تعالى عباده ، وقد تقدم الكلام فيه في قوله تعالى"إنما التوبة على الله": الآية النساء: 17 في الجزء الرابع من هذا الكتاب.

فالآية تحكم بحرمانهم على ما يجري عليه الطبع والعادة ، ولا تأبى الاستثناء لو اتفق إيمان واستقامة عليه من هذه الطائفة نادرا كما يستفاد من نظير الآية ، قال تعالى:"كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين إلى أن قال إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون": آل عمران: 90.

والآيات - كما ترى - تستثني ممن كفر بعد إيمانه ، وقوبل بنفي المغفرة والهداية ، وهي مع ذلك تنفي قبول توبة من ازداد كفرا بعد الإيمان ، صدر الآيات فيمن كفر بعد الإيمان والشهادة بحقية الرسول وظهور الآيات البينات ، فهو ردة عنادا ولجاجا ، والازدياد فيه لا يكون إلا مع استقرار العناد والعتو في قلوبهم ، وتمكن الطغيان والاستكبار في نفوسهم ، ولا يتحقق الرجوع والتوبة ممن هذا حاله عادة.

هذا ما يقتضيه سياق الآية لو أخذت وحدها كما تقدم ، لكن الآيات جميعا لا تخلو عن ظهور ما أو دلالة على كونها ذات سياق واحد متصلا بعضها ببعض ، وعلى هذا التقدير يكون قوله"إن الذين آمنوا ثم كفروا"، في مقام التعليل"لقوله ومن يكفر بالله - إلى قوله - فقد ضل ضلالا بعيدا"ويكون الآيتان ذواتي مصداق واحد أي إن من يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هو الذي آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرا ، ويكون أيضا هو من المنافقين الذين تعرض تعالى لهم في قوله بعد"بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما"إلى آخر الآيات.

وعلى هذا يختلف المعنى المراد بقوله"إن الذين آمنوا ثم كفروا"إلى آخر الآيات بحسب ما فسر به قوله"يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله"ورسوله على ما تقدم من تفاسيره المختلفة: فإن فسر بأن آمنوا بالله ورسوله في الباطن كما آمنتم به في الظاهر كان معنى الإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر ما يبتلى به المنافقون من اختلاف الحال دائما إذا لقوا المؤمنين وإذا لقوا الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت