و كذا ما ذكره آخرون: أن المراد بها المواثيق المأخوذة من أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل فهذه وجوه لا دليل على شيء منها من جهة اللفظ.
على أن ظاهر الجمع المحلى باللام وإطلاق العقد عرفا بالنسبة إلى كل عقد وحكم لا يلائمها ، فالحمل على العموم هو الأوجه.
كلام في معنى العقد
يدل الكتاب كما ترى من ظاهر قوله تعالى:"أوفوا بالعقود"على الأمر بالوفاء بالعقود ، وهو بظاهره عام يشمل كل ما يصدق عليه العقد عرفا مما يلائم الوفاء.
والعقد هو كل فعل أو قول يمثل معنى العقد اللغوي ، وهو نوع ربط شيء بشيء آخر بحيث يلزمه ولا ينفك عنه كعقد البيع الذي هو ربط المبيع بالمشتري ملكا بحيث كان له أن يتصرف فيه ما شاء ، وليس للبائع بعد العقد ملك ولا تصرف ، وكعقد النكاح الذي يربط المرأة بالرجل بحيث له أن يتمتع منها تمتع النكاح ، وليس للمرأة أن تمتع غيره من نفسها ، وكالعهد الذي يمكن فيه العاهد المعهود له من نفسه فيما عهده وليس له أن ينقضه.
وقد أكد القرآن في الوفاء بالعقد والعهد جميع معانيه وفي جميع معانيه وفي جميع مصاديقه وشدد فيه كل التشديد ، وذم الناقضين للمواثيق ذما بالغا ، وأوعدهم إيعادا عنيفا ومدح الموفين بعهدهم إذا عاهدوا في آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها.
وقد أرسلت الآيات القول فيه إرسالا يدل على أن ذلك مما يناله الناس بعقولهم الفطرية ، وهو كذلك.
وليس ذلك إلا لأن العهد والوفاء به مما لا غنى للإنسان في حياته عنه أبدا ، والفرد والمجتمع في ذلك سيان ، وإنا لو تأملنا الحياة الاجتماعية التي للإنسان وجدنا جميع المزايا التي نستفيد منها وجميع الحقوق الحيوية الاجتماعية التي نطمئن إليها مبنية على أساس العقد الاجتماعي العام والعقود والعهود الفرعية التي تترتب عليه ، فلا نملك من أنفسنا للمجتمعين شيئا ولا نملك منهم شيئا إلا عن عقد عملي وإن لم نأت بقول فإنما القول لحاجة البيان ، ولو صح للإنسان أن ينقض ما عقده وعهد به اختيارا لتمكنه منه بقوة أو سلطة أو بطش أو لعذر يعتذر به كان أول ما انتقض بنقضه هو العدل الاجتماعي ، وهو الركن الذي يلوذ به ويأوي إليه الإنسان من إسارة الاستخدام والاستثمار.
ولذلك أكد الله سبحانه في حفظ العهد والوفاء به قال تعالى:"و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا": إسراء: 34 والآية تشمل العهد الفردي الذي يعاهد به الفرد الفرد مثل غالب الآيات المادحة للوفاء بالعهد والذامة لنقضه كما تشمل العهد الاجتماعي الدائر بين قوم وقوم وأمة وأمة ، بل الوفاء به في نظر الدين أهم منه بالعهد الفردي لأن العدل عنده أتم والبلية في نقضه أعم.
ولذلك أتى الكتاب العزيز في أدق موارده وأهونها نقضا بالمنع عن النقض بأصرح القول وأوضح البيان قال تعالى:"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد": براءة: 5 والآيات كما يدل سياقها نزلت بعد فتح مكة وقد أذل الله رقاب المشركين ، وأفنى قوتهم وأذهب شوكتهم ، وهي تعزم على المسلمين أن يطهروا الأرض التي ملكوها وظهروا عليها من قذارة الشرك ، وتهدر دماء المشركين من دون أي قيد وشرط إلا أن يؤمنوا ، ومع ذلك تستثني قوما من المشركين بينهم وبين المسلمين عهد عدم التعرض ، ولا تجيز للمسلمين أن يمسوهم بسوء حينما استضعفوا واستذلوا فلا مانع من ناحيتهم يمنع ولا دافع يدفع ، كل ذلك احتراما للعهد ومراعاة لجانب التقوى.