على أن فيما نقل عن عمر من نزول الآية يوم عرفة إشكالا آخر ، وهو أنها جميعا تذكر أن بعض أهل الكتاب وفي بعضها: أنه كعب قال لعمر: إن في القرآن آية لو نزلت مثلها علينا معشر اليهود لاتخذنا اليوم الذي نزلت فيه عيدا ، وهي قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"الآية فقال له عمر: والله إني لأعلم اليوم وهو يوم عرفة من حجة الوداع. ولفظ ما رواه ابن راهويه وعبد بن حميد عن أبي العالية هكذا: قال كانوا عند عمر فذكروا هذه الآية ، فقال رجل من أهل الكتاب: لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا ، فقال عمر الحمد لله الذي جعله لنا عيدا واليوم الثاني ، نزلت يوم عرفة واليوم الثاني يوم النحر فأكمل لنا الأمر فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص. وما يتضمنه آخر الرواية مروي بشكل آخر ففي الدر المنثور: عن ابن أبي شيبة وابن جرير عن عنترة قال: لما نزلت"اليوم أكملت لكم دينكم"وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص ، فقال: صدقت.
ونظيره الرواية بوجه رواية أخرى رواها أيضا في الدر المنثور ، عن أحمد عن علقمة بن عبد الله المزني قال: حدثني رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم: كيف سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينعت الإسلام؟ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الإسلام بدىء جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سدسيا ثم بازلا. قال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان.
فهذه الروايات - كما ترى - تروم بيان أن معنى نزول الآية يوم عرفة إلفات نظر الناس إلى ما كانوا يشاهدونه من ظهور أمر الدين واستقلاله بمكة في الموسم ، وتفسير إكمال الدين وإتمام النعمة بصفاء جو مكة ومحوضة الأمر للمسلمين يومئذ فلا دين يعبد به يومئذ هناك إلا دينهم من غير أن يخشوا أعداءهم ويتحذروا منهم.
وبعبارة أخرى المراد بكمال الدين وتمام النعمة كمال ما بأيديهم يعملون به من غير أن يختلط بهم أعداؤهم أو يكلفوا بالتحذر منهم دون الدين بمعنى الشريعة المجعولة عند الله من المعارف والأحكام ، وكذا المراد بالإسلام ظاهر الإسلام الموجود بأيديهم في مقام العمل.
وإن شئت فقل: المراد بالدين صورة الدين المشهودة من أعمالهم ، وكذا في الإسلام ، فإن هذا المعنى هو الذي يقبل الانتقاص بعد الإزدياد.
وأما كليات المعارف والأحكام المشرعة من الله فلا يقبل الانتقاص بعد الإزدياد الذي يشير إليه قوله في الرواية:"أنه لم يكمل شيء قط إلا نقص"فإن ذلك سنة كونية تجري أيضا في التاريخ والاجتماع بتبع الكون ، وأما الدين فإنه غير محكوم بأمثال هذه السنن والنواميس إلا عند من قال: إن الدين سنة اجتماعية متطورة متغيرة كسائر السنن الاجتماعية.
إذا عرفت ذلك علمت أنه يرد عليه أولا: أن ما ذكر من معنى كمال الدين لا يصدق عليه قوله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم"وقد مر بيانه.
وثانيا: أنه كيف يمكن أن يعد الله سبحانه الدين بصورته التي كان يتراءى عليها كاملا وينسبه إلى نفسه امتنانا بمجرد خلو الأرض من ظاهر المشركين ، وكون المجتمع على ظاهر الإسلام فارغا من أعدائهم المشركين ، وفيهم من هو أشد من المشركين إضرارا وإفسادا ، وهم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات السرية والتسرب في داخل المسلمين ، وإفساد الحال ، وتقليب الأمور ، والدس في الدين ، وإلقاء الشبه ، فقد كان لهم نبأ عظيم تعرض لذلك آيات جمة من القرآن كسورة المنافقين وما في سور البقرة والنساء والمائدة والأنفال والبراءة والأحزاب وغيرها.
فليت شعري أين صار جمعهم؟ وكيف خمدت أنفاسهم؟ وعلى أي طريق بطل كيدهم وزهق باطلهم؟ وكيف يصح مع وجودهم أن يمتن الله يومئذ على المسلمين بإكمال ظاهر دينهم ، وإتمام ظاهر النعمة عليهم ، والرضا بظاهر الإسلام بمجرد أن دفع من مكة أعداءهم من المسلمين ، والمنافقون أعدى منهم وأعظم خطرا وأمر أثرا! وتصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيه فيهم:"هم العدو فاحذرهم": المنافقون: 4.