فهرس الكتاب

الصفحة 1006 من 4314

و كيف يمتن الله سبحانه ويصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه ، أو يذكر نعمه بالتمام وهي مشوبة بالنقمة ، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه! وقد قال تعالى:"و ما كنت متخذ المضلين عضدا": الكهف: 51. وقال في المنافقين: - ولم يرد إلا دينهم -"فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين": البراءة: 96. والآية بعد هذا كله مطلقة لم تقيد شيئا من الإكمال والإتمام والرضا ولا الدين والإسلام والنعمة بجهة دون جهة.

فإن قلت: الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - إنجاز للوعد الذي يشتمل عليه قوله تعالى:"وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا": الآية النور: 55.

فالآية كما ترى - تعدهم بتمكين دينهم المرضي لهم ، ويحاذي ذلك من هذه الآية قوله:"أكملت لكم دينكم"وقوله:"و رضيت لكم الإسلام دينا"فالمراد بإكمال دينهم المرضي تمكينه لهم أي تخليصه من مزاحمة المشركين ، وأما المنافقون فشأنهم شأن آخر غير المزاحمة ، وهذا هو المعنى الذي تشير إليه روايات نزولها يوم عرفة ، ويذكر القوم أن المراد به تخليص الأعمال الدينية والعاملين بها من المسلمين من مزاحمة المشركين.

قلت كون آية:"اليوم أكملت"، من مصاديق إنجاز ما وعد في قوله:"وعد الله الذين ءامنوا"الآية وكذا كون قوله في هذه الآية:"أكملت لكم دينكم"، محاذيا لقوله:"و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم"، في تلك الآية ومفيدا معناه كل ذلك لا ريب فيه.

إلا أن آية سورة النور تبدأ بقوله:"وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات"وهم طائفة خاصة من المسلمين ظاهر أعمالهم يوافق باطنها ، وما في مرتبة أعمالهم من الدين يحاذي وينطبق على ما عند الله سبحانه من الدين المشرع ، فتمكين دينهم المرضي لله سبحانه لهم إكمال ما في علم الله وإرادته من الدين المرضي بإفراغه في قالب التشريع ، وجمع أجزائه عندهم بالإنزال ليعبدوه بذلك بعد إياس الذين كفروا من دينهم.

وهذا ما ذكرناه: أن معنى إكماله الدين إكماله من حيث تشريع الفرائض فلا فريضة مشرعة بعد نزول الآية لا تخليص أعمالهم وخاصة حجهم من أعمال المشركين وحجهم ، بحيث لا تختلط أعمالهم بأعمالهم.

وبعبارة أخرى يكون معنى إكمال الدين رفعه إلى أعلى مدارج الترقي حتى لا يقبل الانتقاص بعد الإزدياد.

وفي تفسير القمي ، قال: حدثني أبي ، عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: آخر فريضة أنزلها الولاية ثم لم ينزل بعدها فريضة ثم أنزل:"اليوم أكملت لكم دينكم"بكراع الغميم ، فأقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجحفة فلم ينزل بعدها فريضة.

أقول: وروى هذا المعنى الطبرسي في المجمع ، عن الإمامين: الباقر والصادق (عليهما السلام) ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) .

وفي أمالي الشيخ ، بإسناده ، عن محمد بن جعفر بن محمد ، عن أبيه أبي عبد الله (عليه السلام) ، عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: بناء الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين ، والقرينتين. قيل له: أما الشهادتان فقد عرفنا فما القرينتان؟ قال: الصلاة والزكاة فإنه لا تقبل إحداهما إلا بالأخرى ، والصيام وحج بيت الله من استطاع إليه سبيلا ، وختم ذلك بالولاية فأنزل الله عز وجل:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي - ورضيت لكم الإسلام دينا".

وفي روضة الواعظين ، للفتال ، ابن الفارسي عن أبي جعفر (عليه السلام) وذكر قصة خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحج ثم نصبه عليا للولاية عند منصرفه إلى المدينة ونزول الآية ، وفيه خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير وهي خطبة طويلة جدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت