فهرس الكتاب

الصفحة 1015 من 4314

و الآية على قول هذا القائل نص أو كالنص في عدم تحريم ذبائحهم ، فكيف صح لهؤلاء أن يسألوا عن حلية ذبائح أهل الكتاب وقد نزلت الآيات مكيتها ومدنيتها مرة بعد أخرى في أمرها ودلت على حليتها ، واستقر العمل على حفظها وتلاوتها وتعلمها والعمل بها؟.

وأما قوله: إن آية الأنعام نص في حصر المحرمات فيما ذكر فيها فحرمه غيرها كذبيحة أهل الكتاب يحتاج إلى دليل ، فلا شك في احتياج كل حكم إلى دليل يقوم عليه ، وهذا الكلام صريح منه في أن هذا الحصر إنما ينفع إذا لم يكن هناك دليل يقوم على تحريم أمر آخر وراء ما ذكر في الآية.

وعلى هذا فإن كان مراده بالدليل ما يشمل السنة فالقائل بتحريم ذبائح أهل الكتاب يستند في ذلك إلى ما ورد من الروايات في الآية وقد نقلنا بعضا منها فيما تقدم.

وإن أراد الدليل من الكتاب فمع أنه تحكم لا دليل عليه إذ السنة قرينة الكتاب لا يفترقان في الحجية يسأل عنه ما ذا يقول في ذبيحة الكفار غير أهل الكتاب كالوثنيين والماديين؟ أ فيحرمها لكونها ميتة فاقدة للتذكية الشرعية؟ فما الفرق بين عدم التذكية بعدم الاستقبال وعدم ذكر الله عليه أصلا وبين التذكية التي هي غير التذكية الإسلامية وليس يرتضيها الله سبحانه وقد نسخها؟ فالجميع خبائث في نظر الدين ، وقد حرم الله الخبائث ، قال تعالى:"و يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث": الأعراف: 175 وقد قال تعالى في الآية:"السابقة على هذه الآية يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات"ولحن السؤال والجواب فيها أوضح دليل على حصر الحل في الطيبات ، وكذا ما في أول هذه الآية من قوله:"اليوم أحل لكم الطيبات"والمقام مقام الامتنان يدل على الحصر المذكور.

وإن كان تحريم ذبائح الكفار لكونها بالإهلال به لغير الله كالذبح باسم الأوثان عاد الكلام بعدم الفرق بين الإهلال به لغير الله ، والإهلال به لله على طريقة منسوخة لا يرتضيها الله سبحانه.

ثم قال: وقد شدد الله فيما كان عليه مشركوا العرب من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة ، وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح للأصنام.

وقد نسي أن النصارى من أهل الكتاب يأكلون لحم الخنزير ، وقد ذكره الله تعالى وشدد عليه ، وأنهم يأكلون جميع ما تستبيحه المشركون لارتفاع التحريم عنهم بالتفدية.

على أن هذا استحسان سخيف لا يجدي نفعا ولا يعول على مثله في تفسير كلام الله وفهم معاني آياته ، ولا في فقه أحكام دينه.

ثم قال: ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة أحد إلا ويدخل في الإسلام وخفف في معاملة أهل الكتاب ، ثم ذكر موارد من فتيا بعض الصحابة بحلية ما ذبحوه للكنائس وغير ذلك.

وهذا الكلام منه مبني على ما يظهر من بعض الروايات أن الله اختار العرب على غيرهم من الأمم ، وأن لهم كرامة على غيرهم.

ولذلك كانوا يسمون غيرهم بالموالي ، ولا يلائمه ظاهر الآيات القرآنية ، وقد قال الله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 13 ومن طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث كثيرة في هذا المعنى.

ولم يجعل الإسلام في دعوته العرب في جانب وغيرهم في جانب ، بل إنما جعل غير أهل الكتاب من المشركين سواء كانوا عربا أو غيرهم في جانب ، فلم يقبل منهم إلا أن يسلموا ويؤمنوا ، وأهل الكتاب سواء كانوا عربا أو غيرهم في جانب ، فقبل منهم الدخول في الذمة وإعطاء الجزية إلا أن يسلموا.

وهذا الوجه بعد تمامه لا يدل على أزيد من التساهل في حقهم في الجملة لإبهامه ، وأما أنه يجب أن يكون بإباحة ذبائحهم إذا ذبحوها على طريقتهم وسنتهم فمن أين له الدلالة على ذلك؟ وهو ظاهر.

وأما ما ذكره من عمل بعض الصحابة وقولهم إلى غير ذلك فلا حجية فيه.

فقد تبين من جميع ما تقدم عدم دلالة الآية ولا أي دليل آخر على حلية ذبائح أهل الكتاب إذا ذبحت بغير التذكية الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت