و هذا الاشتراك هو الموجب لذكر القرينة المعينة إذا أريد به أحد المعاني ، ولذلك قيد تعالى قوله:"و أيديكم"بقوله:"إلى المرافق"ليتعين أن المراد غسل اليد التي تنتهي إلى المرافق ، ثم القرينة أفادت أن المراد به القطعة من العضو التي فيها الكف ، وكذا فسرتها السنة.
والذي يفيده الاستعمال في لفظة"إلى"أنها لانتهاء الفعل الذي لا يخلو من امتداد الحركة ، وأما دخول مدخول"إلى"في حكم ما قبله أو عدم دخوله فأمر خارج عن معنى الحرف ، فشمول حكم الغسل للمرافق لا يستند إلى لفظة"إلى"بل إلى ما بينه السنة من الحكم.
وربما ذكر بعضهم أن"إلى"في الآية بمعنى مع كقوله تعالى:"و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم": النساء: 2 وقد استند في ذلك إلى ما ورد في الروايات أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يغسلهما إذا توضأ ، وهو من عجيب الجرأة في تفسير كلام الله ، فإن ما ورد من السنة في ذلك إما فعل والفعل مبهم ذو وجوه فكيف يسوغ أن يحصل بها معنى لفظ من الألفاظ حتى يعد ذلك أحد معاني اللفظ؟ وإما قول وارد في بيان الحكم دون تفسير الآية ، ومن الممكن أن يكون وجوب الغسل للمقدمة العلمية أو مما زاده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان له ذلك كما فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلوات الخمس على ما وردت به الروايات الصحيحة.
وأما قوله تعالى:"و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم"فهو من قبيل تضمين الأكل معنى الضم ونحوه مما يتعدى بإلى لا أن لفظة"إلى"هنالك بمعنى مع.
وقد تبين بما مر أن قوله"إلى المرافق"قيد لقوله"أيديكم"فيكون الغسل المتعلق بها مطلقا غير مقيد بالغاية يمكن أن يبدأ فيه من المرفق إلى أطراف الأصابع وهو الذي يأتي به الإنسان طبعا إذا غسل يده في غير حال الوضوء من سائر الأحوال أو يبدأ من أطراف الأصابع ويختم بالمرفق ، لكن الأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تفتي بالنحو الأول دون الثاني.
وبذلك يندفع ما ربما يقال: إن تقييد الجملة بقوله"إلى المرافق"يدل على وجوب الشروع في الغسل من أطراف الأصابع والانتهاء إلى المرافق.
وجه الاندفاع أن الإشكال مبني على كون قوله"إلى المرافق"قيدا لقوله"فاغسلوا"وقد تقدم أنه قيد للأيدي ، ولا مناص منه لكونه مشتركا محتاجا إلى القرينة المعينة ، ولا معنى لكونه قيدا لهما جميعا.
على أن الأمة أجمعت على صحة وضوء من بدأ في الغسل بالمرافق وانتهى إلى أطراف الأصابع كما في المجمع ، وليس إلا لأن الآية تحتمله: وليس إلا لأن قوله"إلى المرافق"قيد للأيدي دون الغسل.
قوله تعالى:"و امسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين"المسح: إمرار اليد أو كل عضو لامس على الشيء بالمباشرة ، يقال.
مسحت الشيء ومسحت بالشيء ، فإذا عدي بنفسه أفاد الاستيعاب ، وإذا عدي بالباء دل على المسح ببعضه من غير استيعاب وإحاطة.
فقوله:"و امسحوا برءوسكم"يدل على مسح بعض الرأس في الجملة ، وأما أنه أي بعض من الرأس فمما هو خارج من مدلول الآية ، والمتكفل لبيانه السنة ، وقد صح أنه جانب الناصية من الرأس.
وأما قوله:"و أرجلكم"فقد قرىء بالجر ، وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم.
وربما قال القائل: إن الجر للإتباع ، كقوله:"و جعلنا من الماء كل شيء حي": الأنبياء: 30 وهو خطأ فإن الإتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها كلام الله تعالى.
وأما قوله:"كل شيء حي"فإنما الجعل هناك بمعنى الخلق ، وليس من الإتباع في شيء.
على أن الإتباع - كما قيل - إنما ثبت في صورة اتصال التابع والمتبوع كما قيل في قولهم: جحر ضب خرب بجر الخرب ، إتباعا لا في مثل المورد مما يفضل العاطف بين الكلمتين.