فهرس الكتاب

الصفحة 1020 من 4314

و قرأ: وأرجلكم - بالنصب وأنت إذا تلقيت الكلام مخلي الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن"أرجلكم"معطوف على موضع"رءوسكم"وهو النصب ، وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ، ومسح الرأس والرجلين ، ولم يخطر ببالك أن ترد"أرجلكم"إلى"وجوهكم"في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله:"فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق"بحكم آخر وهو قوله:"و امسحوا بوجوهكم"، فإن الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك ، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلا: قبلت وجه زيد ورأسه ومسحت بكتفه ويده بنصب يد عطفا على"وجه زيد"مع انقطاع الكلام الأول ، وصلاحية قوله"يده"لأن يعطف على محل المجرور المتصل به ، وهو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم.

وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأما الروايات من طرق أهل السنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية ، وإنما تحكي عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفتوى بعض الصحابة ، لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين ، ومنها ما يوجب غسلهما.

وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح ، ولا كلام لنا معهم في هذا المقام لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه ، خارج عن صناعة التفسير.

لكنهم مع ذلك حاولوا تطبيق الآية على ما ذهبوا إليه من الحكم الفقهي بتوجيهات مختلفة ذكروها في المقام ، والآية لا تحتمل شيئا منها إلا مع ردها من أوج بلاغتها إلى مهبط الرداءة.

فربما قيل: إن"أرجلكم"عطف على"وجوهكم"كما تقدم هذا على قراءة النصب ، وأما على قراءة الجر فتحمل على الإتباع ، وقد عرفت أن شيئا منهما لا يحتمله الكلام البليغ الذي يطابق فيه الوضع الطبع.

وربما قيل في توجيه قراءة الجر: إنه من قبيل العطف في اللفظ دون المعنى كقوله: علفتها تبنا وماء باردا.

وفيه أن مرجعه إلى تقدير فعل يعمل عملا يوافق إعراب حال العطف كما يدل عليه ما استشهد به من الشعر.

وهذا المقدر في الآية إما"اغسلوا"وهو يتعدى بنفسه لا بحرف الجر ، وإما غيره وهو خلاف ظاهر الكلام لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة وأيضا ما استشهد به من الشعر إما من قبيل المجاز العقلي ، وإما بتضمين علفت معنى أعطيت وأشبعت ونحوهما.

وأيضا الشعر المستشهد به يفسد معناه لو لم يعالج بتقدير ونحوه ، فهناك حاجة إلى العلاج قطعية ، وأما الآية فلا حاجة فيها إلى ذلك من جهة اللفظ يقطع بها.

وربما قيل في توجيه الجر بناء على وجوب غسل الأرجل: أن العطف في محله غير أن المسح خفيف الغسل فهو غسل بوجه فلا مانع من أن يراد بمسح الأرجل غسلها ، ويقوي ذلك أن التحديد والتوقيت أنما جاء في المغسول وهو الوجه ، ولم يجىء في الممسوح فلما رفع التحديد في المسح وهو قوله:"و أرجلكم إلى الكعبين"علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد.

وهذا من أردإ الوجوه ، فإن المسح غير الغسل ولا ملازمة بينهما أصلا.

على أن حمل مسح الأرجل على الغسل دون مسح الرءوس ترجيح بلا مرجح.

وليت شعري ما ذا يمنعه أن يحمل كل ما ورد فيه المسح مطلقا في كتاب أو سنة على الغسل وبالعكس وما المانع حينئذ أن يحمل روايات الغسل على المسح ، وروايات المسح على الغسل فتعود الأدلة عن آخرها مجملات لا مبين لها؟.

وأما ما قواه به فهو من تحميل الدلالة على اللفظ بالقياس ، وهو من أفسد القياسات.

وربما قيل إن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم فإذا فعل ذلك بهما المتوضىء كان مستحقا اسم ماسح غاسل ، لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء ، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما ، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح ، فالنصب في قوله:"أرجلكم"بعناية أن الواجب هو غسلهما ، والجر بعناية أنه ماسح بالماء غسلا ، انتهى ملخصا.

وما أدري كيف يثبت بهذا الوجه أن المراد بمسح الرأس في الآية هو المسح من غير غسل ، وبمسح الرجلين هو المسح بالغسل؟ وهذا الوجه هو الوجه السابق بعينه ويزيد عليه فسادا ، ولذلك يرد على هذا ما يرد على ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت