فهرس الكتاب

الصفحة 1021 من 4314

و يزيد عليه إشكالا أن قوله: إن الله أمر بعموم مسح الرجلين في الوضوء إلخ الذي قاس فيه الوضوء على التيمم إن أراد به قياس الحكم على الحكم أعني ما ثبت عنده بالروايات فأي دلالة له على دلالة الآية على ذلك؟ وليست الروايات - كما عرفت - بصدد تفسير لفظ الكتاب ، وإن أراد به قياس قوله:"و امسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين"في الوضوء على قوله:"فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه"في التيمم فهو ممنوع في المقيس والمقيس عليه جميعا فإن الله تعالى عبر في كليهما بالمسح المتعدي بالباء ، وقد تقدم أن المسح المتعدي بالباء لا يدل في اللغة على استيعاب المسح الممسوح ، وأن الذي يدل على ذلك هو المسح المتعدي بنفسه.

وهذه الوجوه وأمثالها مما وجهت بها الآية بحملها على خلاف ظاهرها حفظا للروايات فرارا من لزوم مخالفة الكتاب فيها ، ولو جاز لنا تحميل معنى الرواية على الآية بتأويل الآية بحملها على خلاف ظاهرها لم يتحقق لمخالفة الكتاب مصداق.

فالأحرى للقائل بوجوب غسل الرجلين في الوضوء أن يقول كما قال بعض السلف كأنس والشعبي وغيرهما على ما نقل عنهم: أنه نزل جبرئيل بالمسح والسنة الغسل ، ومعناه نسخ الكتاب بالسنة.

وينتقل البحث بذلك عن المسألة التفسيرية إلى المسألة الأصولية: هل يجوز نسخ الكتاب بالسنة أو لا يجوز ، والبحث فيه من شأن الأصولي دون المفسر ، وليس قول المفسر بما هو مفسر: أن الخبر الكذائي مخالف للكتاب إلا للدلالة على أنه غير ما يدل عليه ظاهر الكتاب دلالة معولا عليها في الكشف عن المراد دون الفتيا بالحكم الشرعي الذي هو شأن الفقيه.

وأما قوله تعالى:"إلى الكعبين"فالكعب هو العظم الناتىء في ظهر القدم.

وربما قيل: إن الكعب هو العظم الناتىء في مفصل الساق والقدم ، وهما كعبان في كل قدم في المفصل.

قوله تعالى:"و إن كنتم جنبا فاطهروا"الجنب في الأصل مصدر غلب عليه الاستعمال بمعنى اسم الفاعل ، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد وغيره ، يقال: رجل جنب وامرأة جنب ورجلان أو امرأتان جنب ، ورجال أو نساء جنب ، واختص الاستعمال بمعنى المصدر للجنابة.

والجملة أعني قوله:"و إن كنتم جنبا فاطهروا"معطوفة على قوله:"فاغسلوا وجوهكم"لأن الآية مسوقة لبيان اشتراط الصلاة بالطهارة فالتقدير: وتطهروا إن كنتم جنبا ، فيئول إلى تقدير شرط الخلاف في جانب الوضوء وتقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إن لم تكونوا جنبا وإن كنتم جنبا فاطهروا ويستفاد من ذلك أن تشريع الوضوء إنما هو في حال عدم الجنابة ، وأما عند الجنابة فالغسل فحسب كما دلت عليه الأخبار.

وقد بين الحكم بعينه في آية النساء بقوله:"و لا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا"فهذه الآية تزيد على تلك الآية بيانا بتسمية الاغتسال تطهرا ، وهذا غير الطهارة الحاصلة بالغسل ، فإنها أثر مترتب ، وهذا نفس الفعل الذي هو الاغتسال وقد سمي تطهرا كما يسمى غسل أوساخ البدن بالماء تنظفا.

ويستفاد من ذلك ما ورد في بعض الأخبار من قوله (عليه السلام) :"ما جرى عليه الماء فقد طهر".

قوله تعالى:"و إن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا"شروع في بيان حكم من لا يقدر على الماء حتى يغسل أو يغتسل.

والذي ذكر من الموارد وعد بالترديد ليس بعضها يقابل بعضا مقابلة حقيقية ، فإن المرض والسفر ليسا بنفسهما يوجبان حدثا مستدعيا للطهارة بالوضوء أو الغسل بل إنما يوجبانه إذا أحدث المكلف معهما حدثا صغيرا أو كبيرا ، فالشقان الأخيران لا يقابلان الأولين بل كل من الأولين كالمنقسم إلى الأخيرين ، ولذلك احتمل بعضهم أن يكون"أو"في قوله:"أو جاء أحد منكم"، بمعنى الواو كما سيجيء ، على أن العذر لا ينحصر في المرض والسفر بل له مصاديق أخر.

لكن الله سبحانه ذكر المرض والسفر وهما مظنة عدم التمكن من الماء غالبا ، وذكر المجيء من الغائط وملامسة النساء وفقدان الماء معهما اتفاقي ، ومن جهة أخرى - وهي عكس الجهة الأولى - عروض المرض والسفر للإنسان بالنظر إلى بنيته الطبيعية أمر اتفاقي بخلاف التردد إلى الغائط وملامسة النساء فإنهما من حاجة الطبيعة: أحدهما يوجب الحدث الأصغر الذي يرتفع بالوضوء ، والآخر الحدث الأكبر الذي يرتفع بالغسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت