فهرس الكتاب

الصفحة 1022 من 4314

فهذه الموارد الأربع موارد يبتلى الإنسان ببعضها اتفاقا وببعضها طبعا.

وهي تصاحب فقدان الماء غالبا كالمرض والسفر أو اتفاقا كالتخلي والمباشرة إذا انضم إليها عدم وجدان الماء فالحكم هو التيمم.

وعلى هذا يكون عدم وجدان الماء كناية عن عدم القدرة على الاستعمال.

كنى به عنه لأن الغالب هو استناد عدم القدرة إلى عدم الوجدان ، ولازم ذلك أن يكون عدم الوجدان قيدا لجميع الأمور الأربعة المذكورة حتى المرض.

وقد تبين بما قدمناه أولا: أن المراد بالمرض في قوله:"كنتم مرضى"هو المرض الذي يتحرج معه الإنسان من استعمال الماء ويتضرر به على ما يعطيه التقييد بقوله:"فلم تجدوا ماء"ويفيده أيضا سياق الكلام في الآية.

وثانيا: أن قوله:"أو على سفر"شق برأسه يبتلى به الإنسان اتفاقا ويغلب عليه فيه فقدان الماء ، فليس بمقيد بقوله:"أو جاء أحد منكم"إلخ بل هو معطوف على قوله:"فاغسلوا"والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وكنتم على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا ، فحال هذا الفرض في إطلاقه وعدم تقيده بوقوع أحد الحدثين حال المعطوف عليه أعني قوله:"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا"إلخ فكما لم يحتج إلى التقييد ابتداء لم يحتج إليه ثانيا عند العطف.

وثالثا: أن قوله:"أو جاء أحد منكم من الغائط"شق آخر مستقلا وليس كما قيل: إن"أو"فيه بمعنى الواو كقوله تعالى:"و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون": الصافات: 174 لما عرفت من عدم الحاجة إلى ذلك.

على أن"أو"في الآية المستشهد بها ليس إلا بمعناها الحقيقي ، وإنما الترديد راجع إلى كون المقام مقاما يتردد فيه بالطبع لا لجهل في المتكلم كما يقال بمثله في الترجي والتمني الواقعين في القرآن كقوله:"لعلكم تتقون": البقرة: 21 ، وقوله:"لو كانوا يعلمون": البقرة: 120.

وحكم هذه الجملة في العطف حكم سابقتها ، والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وكان جاء أحد منكم من الغائط ولم تجدوا ماء فتيمموا.

وليس من البعيد أن يستفاد من ذلك عدم وجوب إعادة التيمم أو الوضوء لمن لم تنتقض طهارته بالحدث الأصغر إن كان على طهارة بناء على مفهوم الشرط فيتأيد به من الروايات ما يدل على عدم وجوب التطهر لمن كان على طهارة.

وفي قوله تعالى:"أو جاء أحد منكم من الغائط"من الأدب البارع ما لا يخفى للمتدبر حيث كنى عن المراد بالمجيء من الغائط ، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ليتستروا به من الناس تأدبا ، واستعمال الغائط في معناه المعروف اليوم استعمال مستحدث من قبيل الكنايات المبتذلة كما أن لفظ العذرة كذلك ، والأصل في معناها عتبة الباب سميت بها لأنهم كانوا يخلون ما اجتمع في كنيف البيت فيها على ما ذكره الجوهري في الصحاح ، .

ولم يقل: أو جئتم من الغائط لما فيه من تعيين المنسوب إليه ، وكذا لم يقل: أو جاء أحدكم من الغائط لما فيه من الإضافة التي فيها شوب التعيين بل بالغ في الإبهام فقال:"أو جاء أحد منكم من الغائط"رعاية لجانب الأدب.

ورابعا: أن قوله:"أو لامستم النساء"كسابقه شق من الشقوق المفروضة مستقل وحكمه في العطف والمعنى حكم سابقه ، وهو كناية عن الجماع أدبا صونا للسان من التصريح بما تأبى الطباع عن التصريح به.

فإن قلت: لو كان كذلك كان التعبير بمثل ما عبر به عنه سابقا بقوله:"و إن كنتم جنبا"أولى لكونه أبلغ في رعاية الأدب.

قلت: نعم لكنه كان يفوت نكتة مرعية في الكلام ، وهي الدلالة على كون الأمر مما يقتضيه الطبيعة كما تقدم بيانه ، والتعبير بالجنابة فاقد للإشعار بهذه النكتة.

وظهر أيضا فساد ما نسب إلى بعضهم: أن المراد بملامسة النساء هو الملامسة حقيقة بنحو التصريح من غير أن تكون كناية عن الجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت