و من هنا يظهر أيضا: أن المراد بالتوكل ما يشمل الأمور التشريعية والتكوينية جميعا أو ما يختص بالتشريعيات بمعنى أن الله سبحانه يأمر المؤمنين بأن يطيعوا الله ورسوله في أحكامه الدينية وما أتاهم به وبينه لهم رسوله ويكلوا أمر الدين والقوانين الإلهية إلى ربهم ، ويكفوا عن الاستقلال بأنفسهم ، والتصرف فيما أودعه عندهم من شرائعه كما يأمرهم أن يطيعوه فيما سن لهم من سنة الأسباب والمسببات فيجروا على هذه السنة من غير اعتماد بها وإعطاء استقلال وربوبية لها ، وينتظروا ما يريده الله ويختاره لهم من النتائج بتدبيره ومشيئته.
قوله تعالى:"و لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا"الآية قال الراغب: النقب في الحائط والجلد كالثقب في الخشب.
قال: والنقيب الباحث عن القوم وعن أحوالهم ، وجمعه نقباء.
والله سبحانه يقص على المؤمنين من هذه الأمة ما جرى على بني إسرائيل من إحكام دينهم وتثبيت أمرهم بأخذ الميثاق ، وبعث النقباء ، وإبلاغ البيان ، وإتمام الحجة ثم ما قابلوه به من نقض الميثاق ، وما قابلهم به الله سبحانه من اللعن وتقسية القلوب إلخ.
فقال:"و لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل"وهو الذي يذكره كثيرا في سورة البقرة وغيرها:"و بعثنا منهم اثني عشر نقيبا"والظاهر أنهم رؤساء الأسباط الاثني عشر ، كانوا كالولاة عليهم يتولون أمورهم فنسبتهم إلى أسباطهم بوجه كنسبة أولي الأمر إلى الأفراد في هذه الأمة لهم المرجعية في أمور الدين والدنيا غير أنهم لا يتلقون وحيا ، ولا يشرعون شريعة وإنما ذلك إلى الله ورسوله"و قال الله إني معكم"إيذان بالحفظ والمراقبة فيتفرع عليه أن ينصرهم إن أطاعوه ويخذلهم إن عصوه ولذلك ذكر الأمرين جميعا فقال:"لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكاة وءامنتم برسلي وعزرتموهم"والتعزير هو النصرة مع التعظيم ، والمراد بالرسل ما سيستقبلهم ببعثته ودعوته كعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر من بعثه الله بين موسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) "و أقرضتم الله قرضا حسنا"وهو الإنفاق المندوب دون الزكاة الواجبة"لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار"فهذا ما يرجع إلى جميل الوعد.
ثم قال:"فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل". قوله تعالى:"فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية"، ذكر تعالى جزاء الكفر بالميثاق المذكور ضلال سواء السبيل ، وهو ذكر إجمالي يفصله ما في هذه الآية من أنواع النقم التي نسب الله سبحانه بعضها إلى نفسه كاللعن وتقسية القلوب مما تستقيم فيه النسبة ، وبعضها إلى أنفسهم مما وقع باختيارهم كالذي يعني بقوله:"و لا تزال تطلع على خائنة منهم"فهذا كله جزاؤهم بما كفروا بآيات الله التي على رأسها الميثاق المأخوذ منهم ، أو جزاء كفرهم بالميثاق خاصة فإن سواء السبيل الذي ضلوه هو سبيل السعادة التي بها عمارة دنياهم وأخراهم.
فقوله:"فبما نقضهم ميثاقهم"الظاهر أنه هو الكفر الذي توعد الله عليه في الآية السابقة ، ولفظة"ما"في قوله:"فبما"للتأكيد ، ويفيد الإبهام لغرض التعظيم أو التحقير أو غيرهما ، والمعنى: فبنقض ما منهم لميثاقهم"لعناهم"واللعن هو الإبعاد من الرحمة"و جعلنا قلوبهم قاسية"وقسوة القلب مأخوذ من قسوة الحجارة وهي صلابتها والقسي من القلوب ما لا يخشع لحق ولا يتأثر برحمة ، قال تعالى:"أ لم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون": الحديد: 16.
وبالجملة عقبت قسوة قلوبهم أنهم عادوا"يحرفون الكلم عن مواضعه"بتفسيرها بما لا يرضى به الله سبحانه وبإسقاط أو زيادة أو تغيير ، فكل ذلك من التحريف ، وأفضاهم ذلك إلى أن فاتهم حقائق ناصعة من الدين"و نسوا حظا مما ذكروا به"ولم يكن إلا حظا من الأصول التي تدور على مدارها السعادة ، ولا يقوم مقامها إلا ما يسجل عليهم الشقوة اللازمة كقولهم بالتشبيه ، وخاتمية نبوة موسى ، ودوام شريعة التوراة ، وبطلان النسخ والبداء إلى غير ذلك.