"و لا تزال تطلع على خائنة منهم"أي على طائفة خائنة منهم ، أو على خيانة منهم"إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين"وقد تقدم مرارا أن استثناء القليل منهم لا ينافي ثبوت اللعن والعذاب للجماعة التي هي الشعب والأمة.
قوله تعالى:"و من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا"، قال الراغب: غري بكذا أي لهج به ولصق ، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به ، وأغريت فلانا بكذا نحو ألهجت به.
وقد كان المسيح عيسى بن مريم نبي رحمة يدعو الناس إلى الصلح والسلم ، ويندبهم إلى الإشراف على الآخرة ، والإعراض عن ملاذ الدنيا وزخارفها ، وينهاهم عن التكالب لأجل هذا العرض الأدنى فلما نسوا حظا مما ذكروا به أثبت الله سبحانه في قلوبهم مكان السلم والصلح حربا ، وبدل المؤاخاة والموادة التي ندبوا إليها معاداة ومباغضة كما يقول:"فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة".
وهذه العداوة والبغضاء اللتان ذكرهما الله تعالى صارتا من الملكات الراسخة المرتكزة بين هؤلاء الأمم المسيحية وكالنار الآخرة التي لا مناص لهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق.
ولم يزل منذ رفع عيسى بن مريم (عليهما السلام) ، واختلف حواريوه والدعاة السائحون من تلامذتهم فيما بينهم نشب الاختلاف فيما بينهم ، ولم يزل ينمو ويكثر حتى تبدل إلى الحروب والمقاتلات والغارات وأنواع الشرد والطرد وغير ذلك حتى انتهى إلى حروب عالمية كبرى تهدد الأرض بالخراب والإنسانية بالفناء والانقراض.
كل ذلك من تبدل النعمة نقمة وإنتاج السعي ضلالا"و سوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون."