و تقديم الخبر أعني قوله:"و لله"للدلالة على الحصر ، وبذلك يتم البيان ، والمعنى: كيف يمكن أن يمنع مانع من إرادته تعالى إهلاك المسيح وغيره ووقوع ما أراده من ذلك ، والملك والسلطنة المطلقة في السماوات والأرض وما بينهما لله تعالى لا ملك لأحد سواه؟ فلا مانع من نفوذ حكمه ومضي أمره.
وقوله:"يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير"في مقام التعليل للجملة السابقة عليه أعني قوله:"و لله ملك السموات والأرض وما بينهما"فإن الملك - بضم الميم - وهو نوع سلطنة ومالكية على سلطنة الناس وما يملكونه إنما يتقوم بشمول القدرة ونفوذ المشيئة ، ولله سبحانه ذلك في جميع السماوات والأرض وما بينهما ، فله القدرة على كل شيء وهو يخلق ما يشاء من الأشياء فله الملك المطلق في السماوات والأرض وما بينهما فخلقه ما يشاء وقدرته على كل شيء هو البرهان على ملكه كما أن ملكه هو البرهان على أن له أن يريد إهلاك الجميع ثم يمضي إرادته لو أراد ، وهو البرهان على أنه لا يشاركه أحد منهم في ألوهيته.
وأما البرهان على نفوذ مشيته وشمول قدرته فهو أنه الله عز اسمه ، ولعله لذلك كرر لفظ الجلالة في الآية مرات فقد آل فرض الألوهية في شيء إلى أنه لا شريك له في ألوهيته.
قوله تعالى:"و قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه"لا ريب أنهم لم يكونوا يدعون النبوة الحقيقية كما يدعيه معظم النصارى للمسيح (عليه السلام) فلا اليهود كانت تدعي ذلك حقيقة ولا النصارى ، وإنما كانوا يطلقونها على أنفسهم إطلاقا تشريفيا بنوع من التجوز ، وقد ورد في كتبهم المقدسة هذا الإطلاق كثيرا كما في حق آدم ويعقوب وداود وإقرام وعيسى وأطلق أيضا على صلحاء المؤمنين.
وكيف كان فإنما أريد بالأبناء أنهم من الله سبحانه بمنزلة الأبناء من الأب ، فهم بمنزلة أبناء الملك بالنسبة إليه المنحازين عن الرعية المخصوصين بخصيصة القرب المقتضية أن لا يعامل معهم معاملة الرعية كأنهم مستثنون عن إجراء القوانين والأحكام المجراة بين الناس لأن تعلقهم بعرش الملك لا يلائم مجازاتهم بما يجازي به غيرهم ولا إيقافهم موقفا توقف فيه سائر الرعية ، فلا يستهان بهم كما يستهان بغيرهم فكل ذلك لما تتعقبه علقة النسب من علقة الحب والكرامة.
فالمراد بهذه النبوة الاختصاص والتقرب ، ويكون عطف قوله:"و أحباؤه"على قوله:"أبناء الله"كعطف التفسير وليس به حقيقة ، وغرضهم من دعوى هذا الاختصاص والمحبوبية إثبات لازمه وهو أنه لا سبيل إلى تعذيبهم وعقوبتهم فلن يصيروا إلا إلى النعمة والكرامة لأن تعذيبه تعالى إياهم يناقض ما خصهم به من المزية ، وحباهم به من الكرامة.
والدليل عليه ما ورد في الرد عليهم من قوله تعالى:"يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"، إذ لو لا أنهم كانوا يريدون بقولهم:"نحن أبناء الله وأحباؤه"أنه لا سبيل إلى عذابهم وإن لم يستجيبوا الدعوة الحقة لم يكن وجه لذكر هذه الجملة:"يغفر"، ردا عليهم ولا لقوله:"بل أنتم بشر ممن خلق"موقع حسن مناسب فمعنى قولهم:"نحن أبناء الله وأحباؤه"أنا خاصة الله ومحبوبوه لا سبيل له تعالى إلى تعذيبنا وإن فعلنا ، ما فعلنا وتركنا ما تركنا لأن انتفاء السبيل ووقوع الأمن التام من كل مكروه ومحذور هو لازم معنى الاختصاص والحب.
قوله تعالى:"قل فلم يعذبكم بذنوبكم"أمر نبيه بالاحتجاج عليهم ورد دعواهم بالحجة ، وتلك حجتان: إحداهما: النقض عليهم بالتعذيب الواقع عليهم ، وثانيتهما: معارضتهم بحجة تنتج نقيض دعواهم.