فهرس الكتاب

الصفحة 1036 من 4314

و محصل الحجة الأولى التي يشتمل عليها قوله:"فلم يعذبكم بذنوبكم"أنه لو صحت دعواكم أنكم أبناء الله وأحباؤه مأمونون من التعذيب الإلهي لا سبيل إليه فيكم لكنتم مأمونين من كل عذاب أخروي أو دنيوي فما هذا العذاب الواقع عليكم المستمر فيكم بسبب ذنوبكم؟ فأما اليهود فلم تزل تذنب ذنوبا كقتلهم أنبياءهم والصالحين من شعبهم وتفجر بنقض المواثيق الإلهية المأخوذة منهم ، وتحريف الكلم عن مواضعه وكتمان آيات الله والكفر بها وكل طغيان واعتداء ، وتذوق وبال أمرها نكالا عليها من مسخ بعضهم وضرب الذلة والمسكنة على آخرين ، وتسلط الظالمين عليهم يقتلون أنفسهم ويهتكون أعراضهم ويخربون بلادهم ، وما لهم من العيش إلا عيشة الحرض الذي لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى.

وأما النصارى فلا فساد المعاصي والذنوب الواقعة في أممهم يقل مما كان من اليهود ، ولا أنواع العذاب النازل عليهم قبل البعثة وفي زمانها وبعدها حتى اليوم ، فهو ذا التاريخ يحفظ عليهم جميع ذلك أو أكثرها ، والقرآن يقص من ذلك شيئا كثيرا كما في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف وغيرها.

وليس لهؤلاء أن يقول: هذه المصائب والبلايا والفتن النازلة بنا إنما هي من قبيل"البلاء للولاء"ولا دليل على كونها عن سخط إلهي يسحب نكالا ووبالا وقد نزل أمثالها على صالحي عباد الله من الأنبياء والرسل كإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيى وغيرهم ، ونزل عليكم معاشر المسلمين نظائرها كما في غزوة أحد ومؤته وغيرهما ، فما بال هذه المكاره إذا حلت بنا عدت أعذبة إلهية وإذا حلت بكم عادت نعما وكرامات؟ وذلك أنه لا ريب لأحد أن هذه المكاره الجسمانية والمصائب والبلايا الدنيوية توجد عند المؤمنين كما توجد عند الكافرين ، وتأخذ الصالحين والطالحين معا ، سنة الله التي قد خلت في عباده إلا أنها تختلف عنوانا وأثرا باختلاف موقف الإنسان من الصلاح ، والطلاح مقام العبد من ربه.

فلا ريب أن من استقر الصلاح في نفسه وتمكنت الفضيلة الإنسانية من جوهره كالأنبياء الكرام ومن يتلوهم لا تؤثر المصائب والمحن الدنيوية النازلة عليه إلا فعلية الفضائل الكامنة في نفسه مما ينتفع به وبآثاره الحسنة هو وغيره فهذا النوع من المحن المشتملة على ما يستكرهه الطبع ليس إلا تربية إلهية وإن شئت فقل ترفيعا للدرجة.

ومن لم يثبت على سعادة أو شقاوة ولم يركب طريق السعادة اللازمة بعد إذا نزلت به النوازل ودارت عليه الدوائر عقبت تعين طريقه وتميز موقفه من كفر أو إيمان ، وصلاح أو طلاح ، ولا ينبغي أن يسمى هذا النوع من البلايا والمحن إلا امتحانات وابتلاءات إلهية تخد للإنسان خده إلى الجنة أو إلى النار.

ومن لم يعتمد في حياته إلا على هوى النفس ولم يألف إلا الفساد والإفساد والانغمار في لجج الشهوة والغضب ، ولم يزل يختار الرذيلة على الفضيلة ، والاستعلاء على الله على الخضوع للحق كما يقصه القرآن من عاقبة أمر الأمم الظالمة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وأصحاب مدين وقوم لوط ، إثر ما فرطوا في جنب الله.

فالنوائب المنصبة عليهم المبيدة لجمعهم لا يستقيم إلا أن تعد تعذيبات إلهية ونكالات ووبالات عليهم لا غير.

وقد جمع الله تعالى هذه المعاني في قوله عز من قائل:"و تلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الذين ءامنوا ويمحق الكافرين": آل عمران: 114.

وتاريخ اليهود من لدن بعثة موسى (عليه السلام) إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) - فيما يزيد على ألفي سنة - وكذا تاريخ النصارى من لدن رفع المسيح إلى ظهور الإسلام - فيما يقرب من ستة قرون على ما يقال - مملوء من أنواع الذنوب التي أذنبوها ، وجرائم ارتكبوها ، ولم يبقوا منها باقية ثم أصروا واستكبروا من غير ندم ، فالنوائب الحالة بساحتهم لا تستحق إلا اسم العذاب والنكال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت