فهرس الكتاب

الصفحة 1037 من 4314

و أما أن المسلمين ابتلوا بأمثال ما ابتليت به هؤلاء الأمم فهذه الابتلاءات بالنظر إلى طبيعتها الكونية ليست إلا حوادث ساقتها يد التدبير الإلهي سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ، وبالنظر إلى حال المسلمين المبتلين بها فيما كانوا على طريق الحق لم تكن إلا امتحانات إلهية ، وفيما انحرفوا عنه من قبيل النكال والعذاب ، وليس لأحد على الله كرامة ، ولا لمتحكم عليه حق ولم يثبت القرآن لهم على ربهم كرامة ، ولا عدهم أبناء الله وأحباءه ، ولا اعتنى بما تسموا به من أسماء أو ألقاب.

قال تعالى مخاطبا لهم:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين - إلى أن قال - وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين": آل عمران: 144 ، وقال تعالى:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا": النساء: 132.

وفي الآية أعني قوله:"قل فلم يعذبكم بذنوبكم"وجه آخر وهو أن يكون المراد بالعذاب الأخروي ، والمضارع يعذبكم بمعنى الاستقبال دون الاستمرار كما في الوجه السابق فإن أهل الكتاب معترفون بالعذاب بحذاء ذنوبهم في الجملة: أما اليهود فقد نقل القرآن عنهم قولهم:"لن تمسنا النار إلا أياما معدودة": البقرة: 80 وأما النصارى فإنهم وإن قالوا بالفداء لمغفرة الذنوب لكنه إثبات في نفسه للذنوب والعذاب الذي أصاب المسيح بالصلب والأناجيل مع ذلك تثبت ذنوبا كالزنا ونحوه ، والكنيسة كانت تثبته عملا بما كانت تصدره من صكوك المغفرة.

هذا.

لكن الوجه هو الأول.

قوله تعالى:"بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير"حجة ثانية مسوقة على نحو المعارضة محصلها: أن النظر في حقيقتكم يؤدي إلى بطلان دعواكم أنكم أبناء الله وأحباؤه ، فإنكم بشر من جملة من خلقه الله من بشر أو غيره لا تمتازون عن سائر من خلقه الله منهم ، ولا يزيد أحد من الخليقة من السماوات والأرض وما بينهما على أنه مخلوق لله الذي هو المليك الحاكم فيه وفي غيره بما شاء وكيفما شاء وسيصير إلى ربه المليك الحاكم فيه وفي غيره ، وإذا كان كذلك كان لله سبحانه أن يغفر لمن شاء منهم ، ويعذب من شاء منهم من غير أن تمانعه مزية أو كرامة أو غير ذلك من أن يريد في شيء ما يريده من مغفرة أو عذاب أو يقطع سبيله قاطع أو يضرب دونه حجاب يحجبه عن نفوذ المشيئة ومضي الحكم.

فقوله:"بل أنتم بشر ممن خلق"بمنزلة إحدى مقدمات الحجة ، وقوله:"و لله ملك السموات والأرض وما بينهما"مقدمة أخرى وقوله:"و إليه المصير"مقدمة ثالثة ، وقوله:"يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"بمنزلة نتيجة البيان التي تناقض دعواهم: أنه لا سبيل إلى تعذيبهم.

قوله تعالى:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل"قال الراغب: الفتور سكون بعد حدة ولين بعد شدة ، وضعف بعد قوة قال تعالى:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل"أي سكون خال عن مجيء رسول الله.

والآية خطاب ثان لأهل الكتاب متمم للخطاب السابق فإن الآية الأولى بينت لهم أن الله أرسل إليهم رسولا أيده بكتاب مبين يهدي بإذن الله إلى كل خير وسعادة ، وهذه الآية تبين أن ذلك البيان الإلهي أنما هو لإتمام الحجة عليهم أن يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير.

وبهذا البيان يتأيد أن يكون متعلق الفعل يبين لكم في هذه الآية هو الذي في الآية السابقة ، والتقدير: يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب أي إن هذا الدين الذي تدعون إليه هو بعينه دينكم الذي كنتم تدينون به مصدقا لما معكم والذي يرى فيه من موارد الاختلاف فإنما هو بيان لما أخفيتموه من معارف الدين التي بينته الكتب الإلهية ، ولازم هذا الوجه أن يكون قوله:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم من قبيل إعادة عين الخطاب السابق لضم بعض الكلام المفصول عن الخطاب السابق المتعلق به وهو قوله:"أن تقولوا ما جاءنا"إلخ إليه وإنما جوز ذلك وقوع الفصل الطويل بين المتعلق والمتعلق به وهو شائع في اللسان ، قال: قربا مربط النعامة مني."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت