10 -وقول بعضهم:"إن الدليل على حجية المقدمات التي قامت عليها الحجج العقلية ليس إلا المقدمة العقلية القائلة بوجوب اتباع الحكم العقلي ، وبعبارة أخرى لا حجة على حكم العقل إلا نفس العقل وهذا دور مصرح فلا محيص في المسائل الخلافية عن الرجوع إلى قول المعصوم من نبي أو إمام من غير تقليد".
هذا ، وهو أسخف تشكيك أورد في هذا الباب وإنما أريد به تشييد بنيان فأنتج هدمه ، فإن القائل أبطل به حكم العقل بالدور المصرح على زعمه ثم لما عاد إلى حكم الشرع لزمه إما أن يستدل عليه بحكم العقل وهو الدور ، أو بحكم الشرع وهو الدور فلم يزل حائرا يدور بين دورين.
إلا أن يرجع إلى التقليد وهو حيرة ثانية.
وقد اشتبه عليه الأمر في تحصيل معنى وجوب متابعة حكم العقل"فإن أريد بوجوب متابعة حكم العقل ما يقابل الحظر والإباحة ويستتبع مخالفته ذما أو عقابا نظير وجوب متابعة الناصح المشفق ، ووجوب العدل في الحكم ونحو ذلك فهو حكم العقل العملي ولا كلام لنا فيه ، وإن أريد بوجوب المتابعة أن الإنسان مضطر على تصديق النتيجة إذا استدل عليه بمقدمات علمية وشكل صحيح علمي مع التصور التام لأطراف القضايا فهذا أمر يشاهده الإنسان بالوجدان ، ولا معنى عندئذ لأن يسأل العقل عن الحجة ، لحجية حجته لبداهة حجيته."
وهذا نظير سائر البديهيات ، فإن الحجة على كل بديهي إنما هي نفسه ، ومعناه أنه مستغن عن الحجة.
11 -وقول بعضهم:"إن غاية ما يرومه المنطق هو الحصول على الماهيات الثابتة للأشياء ، والحصول على النتائج بالمقدمات الكلية الدائمة الثابتة ، وقد ثبت بالأبحاث العلمية اليوم أن لا كلي ولا دائم ولا ثابت في خارج ولا ذهن وإنما هي الأشياء تجري تحت قانون التحول العام من غير أن يثبت شيء بعينه على حال ثابتة أو دائمة أو كلية".
وهذا فاسد من جهة أنه استعمل فيه الأصول المنطقية هيئة ومادة كما هو ظاهر لمن تأمل فيه.
على أن المعترض يريد بهذا الاعتراض بعينه أن يستنتج أن المنطق القديم غير صحيح البتة ، وهي نتيجة كلية دائمة ثابتة مشتملة على مفاهيم ثابتة ، وإلا لم يفده شيئا فالاعتراض يبطل نفسه.
ولعلنا خرجنا عما هو شريطة هذا الكتاب من إيثار الاختصار مهما أمكن فلنرجع إلى ما كنا فيه أولا: القرآن الكريم يهدي العقول إلى استعمال ما فطرت على استعماله وسلوك ما تألفه وتعرفه بحسب طبعها وهو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات ، والذي فطرت العقول عليه هو أن تستعمل مقدمات حقيقية يقينية لاستنتاج المعلومات التصديقية الواقعية وهو البرهان ، وأن تستعمل فيما له تعلق بالعمل من سعادة وشقاوة وخير وشر ونفع وضرر وما ينبغي أن يختار ويؤثر وما لا ينبغي ، وهي الأمور الاعتبارية ، المقدمات المشهورة أو المسلمة ، وهو الجدل ، وأن تستعمل في موارد الخير والشر المظنونين مقدمات ظنية لإنتاج الإرشاد والهداية إلى خير مظنون ، أو الردع عن شر مظنون ، وهي العظة قال تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن": النحل: 152 والظاهر أن المراد بالحكمة هو البرهان كما ترشد إلى ذلك مقابلته الموعظة الحسنة والجدال.
فإن قلت: طريق التفكر المنطقي مما يقوى عليه الكافر والمؤمن ، ويتأتى من الفاسق والمتقي ، فما معنى نفيه تعالى العلم المرضي والتذكر الصحيح عن غير أهل التقوى والاتباع كما في قوله تعالى:"و ما يتذكر إلا من ينيب": غافر: 13 ، وقوله:"و من يتق الله يجعل له مخرجا": الطلاق: 2 ، وقوله:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى": النجم: 30 والروايات الناطقة بأن العلم النافع لا ينال إلا بالعمل الصالح كثيرة مستفيضة.