فهرس الكتاب

الصفحة 1044 من 4314

و يرد عليه ثالثا: أن الوقوع في الخطإ واقع بل غالب في طريق التذكر الذي ذكروه فإن التذكر كما زعموه هو الطريق الذي كان يسلكه السلف الصالح دون طريق المنطق ، وقد نقل الاختلاف والخطإ فيما بينهم بما ليس باليسير كعدة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن اتفق المسلمون على علمه واتباعه الكتاب والسنة ، أو اتفق الجمهور على فقهه وعدالته ، وكعدة من أصحاب الأئمة على هذه النعوت كأبي حمزة وزرارة وأبان وأبي خالد والهشامين ومؤمن الطاق والصفوانين وغيرهم ، فالاختلافات الأساسية بينهم مشهورة معروفة ومن البين أن المختلفين لا ينال الحق إلا أحدهما ، وكذلك الفقهاء والمحدثون من القدماء كالكليني والصدوق وشيخ الطائفة والمفيد والمرتضى وغيرهم رضوان الله عليهم ، فما هو مزية التذكر على التفكر المنطقي؟ فكان من الواجب حينئذ التماس مميز آخر غير التذكر يميز بين الحق والباطل ، وليس إلا التفكر المنطقي فهو المرجع والموئل.

ويرد عليه رابعا: أن محصل الاستدلال أن الإنسان إذا تمسك بذيل أهل العصمة والطهارة لم يقع في خطإ ، ولازمه ما تقدم أن الرأي المأخوذ من المعصوم فيما سمعه منه سمعا يقينيا وعلم بمراده علما يقينيا لا يقع فيه خطأ ، وهذا مما لا كلام فيه لأحد.

وفي الحقيقة المسموع من المعصوم أو المأخوذ منه مادة ليس هو عين التذكر ولا الفكر المنطقي ثم يعقبه هو أن: هذا ما يراه المعصوم ، وكل ما يراه حق فهذا حق وهذا برهان قطعي النتيجة ، وأما غير هذه الصورة من مؤديات أخبار الآحاد أو ما يماثلها مما لا يفيد إلا الظن فإن ذلك لا يفيد شيئا ولا يوجد دليل على حجية الآحاد في غير الأحكام إلا مع موافقة الكتاب ولا الظن يحصل على شيء مع فرض العلم على خلافه من دليل علمي.

9 -وقول بعضهم:"إن الله سبحانه خاطبنا في كلامه بما نألفه من الكلام الدائر بيننا ، والنظم والتأليف الذي يعرفه أهل اللسان ، وظاهر البيانات المشتملة على الأمر والنهي والوعد والوعيد والقصص والحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن ، وهذه أمور لا حاجة في فهمها وتعقلها إلى تعلم المنطق والفلسفة وسائر ما هو تراث الكفار والمشركين وسبيل الظالمين ، وقد نهانا عن ولايتهم والركون إليهم واتخاذ دئوبهم واتباع سبلهم ، فليس على من يؤمن بالله ورسوله إلا أن يأخذ بظواهر البيانات الدينية ، ويقف على ما يتلقاه الفهم العادي من تلك الظواهر من غير أن يأولها أو يتعداها إلى غيرها"وهذا ما يراه الحشوية والمشبهة وعدة من أصحاب الحديث.

وهو فاسد أما من حيث الهيئة فقد استعمل فيه الأصول المنطقية وقد أريد بذلك المنع عن استعمالها بعينها ، ولم يقل القائل بأن القرآن يهدي إلى استعمال أصول المنطق: أنه يجب على كل مسلم أن يتعلم المنطق ، لكن نفس الاستعمال مما لا محيص عنه ، فما مثل هؤلاء في قولهم هذا إلا مثل من يقول: إن القرآن إنما يريد أن يهدينا إلى مقاصد الدين فلا حاجة لنا إلى تعلم اللسان الذي هو تراث أهل الجاهلية ، فكما أنه لا وقع لهذا الكلام بعد كون اللسان طريقا يحتاج إليه الإنسان في مرحلة التخاطب بحسب الطبع وقد استعمله الله سبحانه في كتابه والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنته كذلك لا معنى لما اعترض به على المنطق بعد كونه طريقا معنويا يحتاج إليه الإنسان في مرحلة التعقل بحسب الطبع وقد استعمله الله سبحانه في كتابه والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنته.

وأما بحسب المادة فقد أخذت فيه مواد عقلية ، غير أنه غولط فيه من حيث التسوية بين المعنى الظاهر من الكلام والمصاديق التي تنطبق عليها المعاني والمفاهيم ، فالذي على المسلم المؤمن بكتاب الله أن يفهمه من مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والمشيئة والإرادة مثلا أن يفهم معاني تقابل الجهل والعجز والممات والصمم والعمى ونحوها ، وأما أن يثبت لله سبحانه علما كعلمنا وقدرة كقدرتنا وحياة كحياتنا وسمعا وبصرا وكلاما ومشيئة وإرادة كذلك فليس له ذلك لا كتابا ولا سنة ولا عقلا ، وقد تقدم شطر من الكلام المتعلق بهذا الباب في بحث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت