فهرس الكتاب

الصفحة 1043 من 4314

أما القول بالتذكر بمعنى إبطاله الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية فيبطله أولا: أن البحث العميق في العلوم والمعارف الإنسانية يعطي أن علومه التصديقية تتوقف على علومه التصورية والعلوم التصورية تنحصر في العلوم الحسية أو المنتزع منها بنحو من الأنحاء وقد دل القياس والتجربة على أن فاقد حس من الحواس فاقد لجميع العلوم المنتهية إلى ذلك الحس ، تصورية كانت أو تصديقية ، نظرية كانت أو بديهية ، ولو كانت العلوم موجودة للهوية الإنسانية بالفعل لم يؤثر الفقد المفروض في ذلك ، والقول بأن العمى والصمم ونحوهما مانعة عن التذكر رجوع عن أصل القول وهو أن التذكر بمعنى الرجوع إلى النفس بالانصراف عن التعلقات المادية مفيد لذكر المطلوب بارتفاع الغفلة.

وثانيا: أن التذكر أنما يوفق له بعض أفراد هذا النوع ، وعامة الأفراد يستعملون في مقاصدهم الحيوية سنة التأليف والاستنتاج ويستنتجون من ذلك الألوف بعد الألوف من النتائج المستقيمة ، وعلى ذلك يجري الحال في جميع العلوم والصناعات ، وإنكار شيء من ذلك مكابرة ، وحمل ذلك على الاتفاق مجازفة فالأخذ بهذه السنة أمر فطري للإنسان لا محيد عنه ، ومن المحال أن يجهز نوع من الأنواع بجهاز فطري تكويني ثم يخبط في عمله ولا ينجح في مسعاه.

وثالثا: أن جميع ما ينال هؤلاء بما يسمونه تذكرا يعود بالتحليل إلى مقدمات مترتبة ترتيبا منطقيا بحيث يختل أمر النتيجة فيها باختلال شيء من الأصول المقررة في هيئتها ومادتها ، فهم يستعملون الأصول المنطقية من حيث لا يحسون به ، والاتفاق والصحابة الدائمان لا محصل لهما ، وعليهم أن يأتوا بصورة علمية تذكرية صحيحة لا تجري فيها أصول المنطق.

وأما القول بالتذكر بمعنى إغنائه عن الرجوع إلى الأصول المنطقية - ويرجع محصله إلى أن هناك طريقين: طريق المنطق وطريق التذكر باتباع الشرع مثلا ، والطريقان سواء في الإصابة أو إن طريق التذكر أفضل وأولى لإصابته دائما لموافقته قول المعصوم بخلاف طريق المنطق والعقل - ففيه خطر الوقوع في الغلط دائما أو غالبا.

وكيف كان يرد عليه الإشكال الثاني الوارد على ما تقدمه فإن الإحاطة بجميع مقاصد الكتاب والسنة ورموزها وأسرارها على سعة نطاقها العجيبة غير متأت إلا للآحاد من الناس المتوغلين في التدبر في المعارف الدينية على ما فيها من الارتباط العجيب ، والتداخل البالغ بين أصولها وفروعها وما يتعلق منها بالاعتقاد وما يتعلق منها بالأعمال الفردية والاجتماعية ، ومن المحال أن يكلف الإنسان تكوينا بالتجهيز التكويني بما وراء طاقته واستطاعته أو يكلف بذلك تشريعا فليس على الناس إلا أن يعقلوا مقاصد الدين بما هو الطريق المألوف عندهم في شئون حياتهم الفردية والاجتماعية ، وهو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات ، والمعلوم من الشرع بعض أفراد المعلومات لقيام البرهان على صدقه.

ومن العجيب أن بعض القائلين بالتذكر جعل هذا بعينه وجها للتذكر على المنطق فذكر أن العلم بالحقائق الواقعية إن صح حصوله باستعمال المنطق والفلسفة - ولن يصح - فإنما يتأتى ذلك لمثل أرسطو وابن سينا من أوحديي الفلسفة ، وليس يتأتى لعامة الناس فكيف يمكن أن يأمر الشارع باستعمال المنطق والأصول الفلسفية طريقا إلى نيل الواقعيات؟ ولم يتفطن أن الإشكال بعينه مقلوب عليه فإن أجاب بأن استعمال التذكر ميسور لكل أحد على حسب اتباعه أجيب بأن استعمال المنطق قليلا أو كثيرا ميسور لكل أحد على حسب استعداده لنيل الحقائق ولا يجب لكل أحد أن ينال الغاية ، ويركب ما فوق الطاقة.

ويرد عليه ثانيا: الإشكال الثالث السابق فإن هؤلاء يستعملون طريق المنطق في جميع المقاصد التي يبدونها باسم التذكر كما تقدم حتى في البيان الذي أوردوه لإبطال طريق المنطق وتحقيق طريق التذكر وكفى به فسادا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت