فهرس الكتاب

الصفحة 1042 من 4314

و أما ما ذكره من الإشكال على المنطق والفلسفة والعرفان فما اعترض به على المنطق قد تقدم الكلام فيه ، وأما ما ذكره في موضوع الفلسفة والعرفان فإن كان ما ذكره على ما ذكره وفهم منه ثم ناقض ما هو صريح الدين الحق فلا ريب لمرتاب في أنه باطل ومن هفوات الباحثين في الفلسفة أو السالكين مسلك العرفان وأغلاطهم ، لكن الشأن في أن هفوات أهل فن وسقطاتهم وانحرافهم لا تحمل على عاتق الفن ، وإنما يحمل على قصور الباحثين في بحثهم.

وكان عليه أن يتأمل الاختلافات الناشئة بين المتكلمين: أشعريهم ومعتزليهم وإماميهم فقد اقتسمت هذه الاختلافات الكلمة الواحدة الإسلامية فجعلتها بادىء بدء ثلاثة وسبعين فرقة ثم فرقت كل فرقة إلى فرق ، ولعل فروع كل أصل لا ينقص عددا من أصولها.

فليت شعري هل أوجد الاختلافات شيء غير سلوك طريق الدين؟ وهل يسع لباحث أن يستدل بذلك على بطلان الدين وفساد طريقه؟ أو يأتي هاهنا بعذر لا يجري هناك أو يرمي أولئك برذيلة معنوية لا توجد عينها أو مثلها في هؤلاء؟! ونظير فن الكلام في ذلك الفقه الإسلامي وانشعاب الشعب والطوائف فيه ثم الاختلافات الناشئة بين كل طائفة أنفسهم ، وكذلك سائر العلوم والصناعات على كثرتها واختلافها.

وأما ما استنتج من جميع كلامه من بطلان جميع الطرق المعمولة وتعين طريق الكتاب والسنة وهو مسلك الدين فلا يسعه إلا أن يرى طريق التذكر وهو الذي نسب إلى أفلاطون اليوناني وهو أن الإنسان لو تجرد عن الهوسات النفسانية وتحلى بحلية التقوى والفضائل الروحية ثم رجع إلى نفسه في أمر بان له الحق فيه.

هذا هو الذي ذكروه ، وقد اختاره بعض القدماء من يونان وغيرهم وجمع من المسلمين وطائفة من فلاسفة الغرب غير أن كلا من القائلين به قرره بوجه آخر: فمنهم من قرره على أن العلوم الإنسانية فطرية بمعنى أنها حاصلة له ، موجودة معه بالفعل في أول وجوده ، فلا جرم يرجع معنى حدوث كل علم له جديد إلى حصول التذكر.

ومنهم من قرره على أن الرجوع إلى النفس بالانصراف عن الشواغل المادية يوجب انكشاف الحقائق لا بمعنى كون العلوم عند الإنسان بالفعل بل هي له بالقوة وإنما الفعلية في باطن النفس الإنسانية المفصولة عن الإنسان عند الغفلة الموصولة به عند التذكر ، وهذا ما يقول به العرفاء وأهل الإشراق وأترابهم من سائر الملل والنحل.

ومنهم من قرره على نحو ما قرره العرفاء غير أنه اشتراط في ذلك التقوى واتباع الشرع علما وعملا كعدة من المسلمين ممن عاصرناهم وغيرهم زعما منهم أن اشتراط اتباع الشرع يفرق ما بينهم وبين العرفاء والمتصوفة ، وقد خفي عليهم أن العرفاء سبقوهم في هذا الاشتراط كما يشهد به كتبهم المعتبرة الموجودة ، فالقول عين ما قال به المتصوفة ، وإنما الفرق بين الفريقين في كيفية الاتباع وتشخيص معنى التبعية ، وهؤلاء يعتبرون في التبعية مرحلة الجمود على الظواهر محضا ، فطريقهم طريق مولد من تناكح طريقي المتصوفة والأخبارية إلى غير ذلك من التقريرات.

والقول بالتذكر إن لم يرد به إبطال الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية لا يخلو من وجه صحة في الجملة فإن الإنسان حينما يوجد بهويته يوجد شاعرا بذاته وقوى ذاته وبعلله ، عالما بها علما حضوريا ، ومعه من القوى ما يبدل علمه الحضوري إلى علم حصولي.

ولا توجد قوة هي مبدأ الفعل إلا وهي تفعل فعلها فللإنسان في أول وجوده شيء من العلوم وإن كانت متأخرة عنه بحسب الطبع لكنه معه بالزمان.

هذا ، وأيضا حصول بعض العلوم للإنسان إذا انصرف عن التعلقات المادية بعض الانصراف لا يسع لأحد إنكاره.

وإن أريد بالقول بالتذكر إبطال أثر الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية بمعنى أن ترتيب المقدمات البديهية المتناسبة يوجب خروج الإنسان من القوة إلى الفعل بالنسبة إلى العلم بما يعد نتيجة لها ، أو بمعنى أن التذكر بمعنى الرجوع إلى النفس بالتخلية يغني الإنسان عن ترتيب المقدمات العلمية لتحصيل النتائج فهو من أسخف القول الذي لا يرجع إلى محصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت