فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 4314

على أن البيان إنما يتم فيمن لا يفي استعداده بفهم الأمور الدقيقة العقلية وأما المستعد الذي يطيق ذلك فلا دليل من كتاب ولا سنة ولا عقل على حرمانه من نيل حقائق المعارف التي لا كرامة للإنسان ولا شرافة إلا بها ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والعقل جميعا.

8 -وقول بعضهم - فيما ذكره -:"إن طريق السلف الصالح كان مباينا لطريق الفلسفة والعرفان وكانوا يستغنون بالكتاب والسنة عن استعمال الأصول المنطقية والعقلية كالفلاسفة ، وعن استعمال طرق الرياضة كالعرفاء."

ثم لما نقلت فلسفة يونان في عصر الخلفاء إلى العربية رام المتكلمون من المسلمين وقد كانوا من تبعة القرآن إلى تطبيق المطالب الفلسفية على المعارف القرآنية فتفرقوا بذلك إلى فرقتي الأشاعرة والمعتزلة ، ثم نبغ آخرون في زمان الخلفاء تسموا بالصوفية والعرفاء كانوا يدعون كشف الأسرار والعلم بحقائق القرآن وكانوا يزعمون أنهم في غنى عن الرجوع إلى أهل العصمة والطهارة ، وبذلك امتازت الفقهاء والشيعة - وهم المتمسكون بذيلهم (عليهم السلام) - عنهم ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى ما يقرب من أواسط القرن الثالث عشر من الهجرة قبل مائة سنة تقريبا وعند ذلك أخذ هؤلاء يعني الفلاسفة والعرفاء في التدليس والتلبيس وتأويل مقاصد القرآن والحديث إلى ما يوافق المطالب الفلسفية والعرفانية حتى اشتبه الأمر على الأكثرين.

واستنتج من ذلك أن هذه الأصول مخالفة للطريقة الحقة التي يهدي إليها الكتاب والسنة.

ثم أورد بعض الإشكالات على المنطق - مما أوردناه - كوجود الاختلاف بين المنطقيين أنفسهم ، ووقوع الخطإ مع استعماله ، وعدم وجود البديهيات واليقينيات بمقدار كاف في المسائل الحقيقية ، ثم ذكر مسائل كثيرة من الفلسفة وعدها جميعا مناقضة لصريح ما يستفاد من الكتاب والسنة.

هذا محصل كلامه وقد لخصناه تلخيصا.

وليت شعري أي جهة من الجهات الموضوعة في هذا الكلام على كثرتها تقبل الإصلاح والترميم فقد استظهر الداء على الدواء.

أما ما ذكره من تاريخ المتكلمين وانحرافهم عن الأئمة (عليهم السلام) وقصدهم إلى تطبيق الفلسفة على القرآن وانقسامهم بذلك إلى فرقتي الأشاعرة والمعتزلة وظهور الصوفية وزعمهم أنهم ومتبعيهم في غنى عن الكتاب والسنة وبقاء الأمر على هذا الحال وظهور الفلسفة العرفانية في القرن الثالث عشر كل ذلك مما يدفعه التاريخ القطعي ، وسيجيء إشارة إلى ذلك كله إجمالا.

على أن فيه خطأ فاحشا بين الكلام والفلسفة فإن الفلسفة تبحث بحثا حقيقيا ويبرهن على مسائل مسلمة بمقدمات يقينية والكلام يبحث بحثا أعم من الحقيقي والاعتباري ، ويستدل على مسائل موضوعة مسلمة بمقدمات هي أعم من اليقينية والمسلمة ، فبين الفنين أبعد مما بين السماء والأرض ، فكيف يتصور أن يروم أهل الكلام في كلامهم تطبيق الفلسفة على القرآن؟ على أن المتكلمين لم يزالوا منذ أول ناجم نجم منهم إلى يومنا هذا في شقاق مع الفلاسفة والعرفاء ، والموجود من كتبهم ورسائلهم والمنقول من المشاجرات الواقعة بينهم أبلغ شاهد يشهد بذلك.

ولعل هذا الإسناد مأخوذ من كلام بعض المستشرقين القائل بأن نقل الفلسفة إلى الإسلام هو الذي أوجد علم الكلام بين المسلمين.

هذا ، وقد جهل هذا القائل معنى الكلام والفلسفة وغرض الفنين والعلل الموجبة لظهور التكلم ورمي من غير مرمى.

وأعجب من ذلك كله أنه ذكر بعد ذلك: الفرق بين الكلام والفلسفة بأن البحث الكلامي يروم إثبات مسائل المبدأ والمعاد مع مراعاة جانب الدين والبحث الفلسفي يروم ذلك من غير أن يعتني بأمر الدين ثم جعل ذلك دليلا على كون السلوك من طريق الأصول المنطقية والعقلية سلوكا مباينا لسلوك الدين مناقضا للطريق المشروع فيه هذا.

فزاد في الفساد ، فكل ذي خبرة يعلم أن كل من ذكر هذا الفرق بين الفنين أراد أن يشير إلى أن القياسات المأخوذة في الأبحاث الكلامية جدلية مركبة من مقدمات مسلمة: المشهورات والمسلمات لكون الاستدلال بها على مسائل مسلمة ، وما أخذ في الأبحاث الفلسفية منها قياسات برهانية يراد بها إثبات ما هو الحق لا إثبات ما سلم ثبوتها تسليما ، وهذا غير أن يقال.

إن أحد الطريقين طريق الكلام طريق الدين والآخر طريق مباين لطريق الدين لا يعتنى به وإن كان حقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت