فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 4314

و أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرجعهم إلى حكم التوراة فتولوا عنه ، وأنه كان هناك طائفة من المنافقين يميلون إلى مثل ما يميل إليه أولئك المحكمون المستفتون من أهل الكتاب يريدون أن يفتنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيحكم بينهم على الهوى ورعاية جانب الأقوياء وهو حكم الجاهلية ، ومن أحسن حكما من الله لقوم يوقنون؟ وبذلك يتأيد ما ورد في أسباب النزول أن الآيات نزلت في اليهود حين زنا منهم محصنان من أشرافهم ، وأراد أحبارهم أن يبدلوا حكم الرجم الذي في التوراة الجلد ، فبعثوا من يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حكم زنا المحصن ، ووصوهم إن هو حكم بالجلد أن يقبلوه ، وإن حكم بالرجم أن يردوه فحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرجم فتولوا عنه فسأل (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن صوريا عن حكم التوراة في ذلك وأقسمه بالله وآياته أن لا يكتم ما يعلمه من الحق فصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن حكم الرجم موجود في التوراة القصة وسيجيء في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

والآيات مع ذلك مستقلة في بيانها غير مقيدة فيما أفادها بسبب النزول ، وهذا شأن الآيات القرآنية مما نزلت لأسباب خاصة من الحوادث الواقعة ، ليس لأسباب نزولها منها إلا ما لواحد من مصاديقها الكثيرة من السهم ، وليس إلا لأن القرآن كتاب عام دائم لا يتقيد بزمان أو مكان ، ولا يختص بقوم أو حادثة خاصة ، وقال تعالى:"إن هو إلا ذكر للعالمين": يوسف: 140 وقال تعالى:"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا": الفرقان: 1 وقال تعالى:"و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه": فصلت: 42.

قوله تعالى:"يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"، تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه مما لقي من هؤلاء المذكورين في الآية ، وهم الذين يسارعون في الكفر أي يمشون فيه المشية السريعة ، ويسيرون فيه السير الحثيث ، تظهر من أفعالهم وأقوالهم موجبات الكفر واحدة بعد أخرى فهم كافرون مسارعون في كفرهم ، والمسارعة في الكفر غير المسارعة إلى الكفر.

وقوله:"من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم"بيان لهؤلاء الذين يسارعون في الفكر أي من المنافقين ، وفي وضع هذا الوصف موضع الموصوف إشارة إلى علة النهي كما أن الأخذ بالوصف السابق أعني قوله:"الذين يسارعون في الكفر"للإشارة إلى علة المنهي عنه ، والمعنى - والله أعلم -: لا يحزنك هؤلاء بسبب مسارعتهم في الكفر فإنهم إنما آمنوا بألسنتهم لا بقلوبهم وما أولئك بالمؤمنين ، وكذلك اليهود الذين جاءوك وقالوا ما قالوا.

وقوله:"و من الذين هادوا"عطف على قوله:"من الذين قالوا ءامنا"إلخ على ما يفيده السياق ، وليس من الاستيناف في شيء ، وعلى هذا فقوله:"سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك"خبر لمبتدء محذوف أي هم سماعون إلخ.

وهذه الجمل المتسقة بيان حال الذين هادوا ، وأما المنافقون المذكورون في صدر الآية فحالهم لا يوافق هذه الأوصاف كما هو ظاهر.

فهؤلاء المذكورون من اليهود هم سماعون للكذب أي يكثرون من سماع الكذب مع العلم بأنه كذب ، وإلا لم يكن صفة ذم ، وهم كثير السمع لقوم آخرين لم يأتوك ، يقبلون منهم كل ما ألقوه إليهم ويطيعونهم في كل ما أرادوه منهم ، واختلاف معنى السمع هو الذي أوجب تكرار قوله:"سماعون"فإن الأول يفيد معنى الإصغاء والثانية معنى القبول.

وقوله:"يحرفون الكلم من بعد مواضعه"أي بعد استقرارها في مستقرها والجملة صفة لقوله:"لقوم آخرين"وكذا قوله:"يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا".

ويتحصل من المجموع أن عدة من اليهود ابتلوا بواقعة دينية فيما بينهم ، لها حكم إلهي عندهم لكن علماءهم غيروا الحكم بعد ثبوته ثم بعثوا طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمروهم أن يحكموه في الواقعة فإن حكم بما أنبأهم علماؤهم من الحكم المحرف فليأخذوه وإن حكم بغير ذلك فليحذروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت